التداعيات المحتملة للعقوبات الغربية على قطاع النفط الإيراني

  • 27 ديسمبر 2011

نشطت في الأسابيع الأخيرة الحملة الداعية إلى فرض عقوبات إضافية على قطاع النفط الإيراني، وذلك بعد التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا الذي كشف عن تقدم ملحوظ في تطوير قدرات إيران في مجال التسلح النووي. ولا يُعرف حتى الآن إلى أي مدى يمكن أن تنجح حملة العقوبات الجديدة في تحقيق هدفها في الضغط على طهران لإيقاف برنامجها النووي، فهذه العقوبات ليست الأولى من نوعها بالطبع؛ إذ إن العقوبات على الصادرات النفطية الإيرانية تمتد إلى نحو 18 سنة، لكن هذه العقوبات هي الأقسى والأشد من نوعها، ومن هنا يمكن تفسير سبب ردود الفعل الإيرانية الغاضبة والمتخوفة.

وكما هو معروف، لم تستطع العقوبات السابقة إيقاف صادرات النفط الإيرانية أو تقليصها بشكل ملحوظ، كما لا يُعتقد أن تؤدي العقوبات الجديدة إلى تحقيق هدفها، إلا أنه من المحتمل أن تؤدي هذه العقوبات، مثل الإجراءات التي سبقتها، إلى زيادة المضاربات في أسواق النفط خوفاً من التصريحات الإيرانية المتكررة بإغلاق مضيق هرمز الحيوي في حال توقف صادراتها، ما يثير الخوف في الأسواق العالمية ومن ثم زيادة مستوى أسعار النفط، كما أنها يمكن أن تؤدي إلى تقليص طاقة إنتاج النفط الإيراني في المستقبل المنظور، نظراً لحظر صادرات المعدات والأدوات التقنية اللازمة لإنتاج النفط من الدول الأوروبية، وهي المعدات التي تحتاج إليها إيران في تطوير صناعتها النفطية.

وتتركز الحملة الجديدة من العقوبات الغربية على منع التعامل مع البنك المركزي الإيراني، وهي خطوة خطيرة تشكل قيداً إضافياً على قطاع النفط الإيراني؛ لأن الشركات التي تشتري النفط أو المنتجات البتروكيماوية الإيرانية مضطرة للتعامل مع البنك المركزي. ورداً على ذلك بدأ السياسيون الإيرانيون يلوّحون باحتمال اللجوء إلى تبني "نمط اقتصاد الحرب" للتعامل مع التداعيات التي قد تترتب على قرار مقاطعة البنك المركزي الإيراني، واحتمال تخفيض حجم الصادرات النفطية، متوافقين في ذلك مع الخطاب الرسمي الذي يحاول أن يخفف من تأثير هذه العقوبات على الاقتصاد الإيراني، وكأن الكلام عن "اقتصاد الحرب" سيغير من خطورة الأوضاع أو يخفف من تأثيراتها.

وكان مجلسا الشيوخ والنواب الأمريكيين قد وافقا على فرض عقوبات جديدة تمنع الشركات العالمية التي تتعامل مع البنك المركزي الإيراني من العمل في الأسواق الأمريكية، أو مع المصارف في الولايات المتحدة، مما يحرم الشركات المعنية من العمل في أكبر سوق عالمي. كما قرر الكونغرس فرض حظر على الصادرات النفطية الإيرانية، رغم أنه كان قد فرض حظراً على استيراد النفط الإيراني إلى الولايات المتحدة منذ عقد الثمانينيات. وتشير التقارير الصحافية إلى ضغوط تمارسها واشنطن على حلفائها الأسيويين لوقف وارداتهم من النفط الإيراني، إلا أن معظم هذه الدول، والتي تعتمد بعضها اعتماداً كبيراً على الواردات الإيرانية، رفضت حتى الآن الانصياع للضغوط الأمريكية، وبالذات جمهورية كوريا الجنوبية، التي أعلنت رسمياً أنها وضعت مجموعة من الشركات والمسؤولين الإيرانيين على القائمة السوداء، لكنها لم تشر البتة إلى توقفها عن استيراد النفط أو المنتجات البتروكيماوية الإيرانية. كما يلاحظ في هذا الصدد أن الدول الآسيوية الكبرى المستوردة للنفط الإيراني (الصين واليابان وكوريا الجنوبية) قد بادرت منذ فترة إلى التوقف عن شراء النفط الإيراني بالطرق التقليدية عبر البنك المركزي، ولجأت إلى استعمال نظام المقايضة، لتتلافى بذلك استعمال المؤسسات المصرفية.

ومن الجدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يوقع حتى الآن على قرار الكونغرس المرفوع إليه؛ وذلك لتخوفه من الانعكاسات التي قد تترتب على ذلك بالنسبة لأسواق النفط من توقف أو تراجع لصادرات النفط الإيراني البالغة نحو 2.5 مليون برميل يومياً، وما سيؤدي إليه هذا من ازدياد المضاربات على النفط، وزيادة أسعاره العالمية، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على كلا الاقتصادين الأمريكي والأوروبي اللذين يعانيان من أزمات اقتصادية خانقة، والتي يمكن أن تؤدي إلى مصاعب إضافية في حال ترتب عليها حدوث ارتفاع سريع ومفاجئ في أسعار النفط الخام، ولاسيما في وقتٍ كهذا تستعد فيه الإدارة الأمريكية لخوض تجربة الانتخابات الرئاسية.

وعلى الرغم من عدم توقيع الرئيس الأمريكي على مقاطعة البنك المركزي الإيراني، فقد بادرت بريطانيا ومجموعة دول الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ هذه الخطوة  إضافة إلى فرض عقوبات على الصادرات النفطية الإيرانية، ما أثار حفيظة النظام الإيراني وبعض العناصر الموالية له التي قامت باقتحام سفارة لندن في طهران وإحداث أضرار واسعة بها، الأمر الذي تسبب في حدوث أزمة دبلوماسية كبيرة بين البلدين مع تبادل إغلاق السفارتين البريطانية والإيرانية في العاصمتين، كما قامت بعض الدول الأوروبية الأخرى بسحب سفرائها من طهران تضامناً مع لندن.

خلاصة الموقف هو أن حصاراً شاملاً ومستعجلاً على صادرات النفط الإيراني لن يؤدي إلى وقف أو تأخير البرنامج النووي الإيراني. فالمرة الوحيدة التي توقف فيها هذا البرنامج سابقا كان عند الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. ما يعني أنه في غياب أي تهديد عسكري أو احتمال وقوع تهديد عسكري، فإن طهران ستستمر في تطوير برنامج تسلحها النووي. كما أن حظرا شاملا للنفط الإيراني في الوقت الحاضر، وقبل عودة الصادرات النفطية الليبية إلى مستواها ما قبل الثورة (يبلغ الإنتاج النفطي الليبي حالياً نحو مليون برميل يومياً من النفط الخام، بينما بلغ مستوى الإنتاج قبل الثورة نحو 1.6 مليون برميل يوميا. ومن المتوقع أن تعود ليبيا إلى مستوى إنتاج ما قبل الثورة  في حزيران/ يونيو المقبل)، وهذا سيزيد من النقص في الإمدادات، ويحدث بلبلة للأسواق فضلاً عن زيادة المضاربات ومن ثم زيادة الأسعار- وبالتالي فمن غير المرجح أن تقدم الدول الغربية، التي تعاني في هذه الفترة واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية التي تمر بها، على فرض حظر شامل على قطاع النفط الإيراني، ومن هنا كان الاتجاه إلى فرض عقوبات جزئية لا تنال كثيراً من هذا القطاع الحيوي للاقتصاد الإيراني، فالاعتقاد السائد في الدوائر النفطية الغربية، وبالذات عند وكالة الطاقة الدولية، هو أن إيقاف تصدير المعدات والأدوات التقنية الضرورية لعمليات التنقيب والإنتاج، سيؤدي إلى تخفيض الطاقة الإنتاجية الإيرانية من نحو 3.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من 3 مليون برميل يومياً بمنتصف هذا العقد.

ومن غير المعروف حتى الآن، ما هو رد الفعل الإيراني على الخطوات الغربية لتشديد العقوبات والحصار عليها. فهل ستكتفي ببعض التصريحات المعادية لهذه الجهة أو تلك، كما حصل في التجارب السابقة، أم تتخذ خطوات تصعيدية مثل تنفيذ تهديدات بعض مسؤوليها بإغلاق مضيق هرمز لوقف صادرات النفط الخليجية؟ هناك شكوك كبيرة في لجوء طهران إلى هذا التصعيد رغم فداحة قرارات المقاطعة الأخيرة، والسبب في ذلك أن أولوياتها في الوقت الحاضر تتركز على المحافظة على برنامجها النووي، وعدم إفساح المجال لأي أعمال عسكرية يمكن أن تهدد هذا البرنامج، ولاسيما إذا أقدمت على اتخاذ خطوة بحجم إغلاق مضيق هرمز، بما تمثله من خطورة، وما تلحقه من أضرار بالاقتصاد العالمي.

Share