التحولات السياسية في العالم العربي وانعكاساتها على دول الخليج

  • 22 مارس 2011

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت مقابلة حصرية مع معالي عبدالرحمن بن حمد العطية، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ناقش فيها عدداً من القضايا المتصلة بالتحولات السياسية والاستراتيجية التي يشهدها العالم العربي، وانعكاساتها على دول الخليج العربية، ومستقبل تجربة التكامل الخليجي، وإمكانية تطوير قوات درع الجزيرة إلى قدرة عسكرية موحدة لدول المجلس.

وقد أُجريت هذه المقابلة على هامش مشاركة معاليه في فعاليات المؤتمر السنوي السادس عشر "التطورات الاستراتيجية العالمية: رؤية استشرافية"، والذي عقده المركز، في الفترة من 21-23 مارس 2011. وفيما يلي نص المقابلة.

س: ما هي رؤيتكم للأسباب التي تقف وراء ما يحدث في العالم العربي من تحولات سياسية واحتجاجات شعبية؟

في رأيي، هناك جملة من الأسباب تقف وراء ما يحدث في وطننا العربي من تغيرات سياسية واحتجاجات شعبية هائلة، أولها: اختلال مسارات التنمية نتيجة جمود عملية التطوير والتحديث السياسي وضعف المشاركة السياسية. بعبارة موحدة، كانت التنمية السياسية بمفهومها الشامل متعطلة في الدول التي شهدت ثورات واحتجاجات شعبية. ثاني هذه الأسباب يتمثل في غياب قنوات حوار وطني شامل، ينطلق من مبدأ المواطنة الحقيقية، ويرسخ مفهوم المشاركة السياسية في العقود الماضية. إضافة إلى أن هناك أيضاً جيلين: جيل قديم وجيل شاب يتطلع إلى الحرية ويتبنى ثقافة سياسية مختلفة عن الأجيال السابقة، سواء على مستوى المتطلبات أو الرؤية المستقبلية السياسية والاقتصادية. وهذه الفجوة بين الجيلين خلقت صراعاً كامناً ظهر على السطح بصورة قوية كما رأينا في مصر وتونس. علاوة على ذلك، اتسمت النظم السياسية والاقتصادية في الدول العربية التي شهدت انتفاضات واحتجاجات جماهيرية واسعة بضعف أو غياب الشفافية وغياب الأنظمة الإشرافية والأجهزة الرقابية الفاعلة، ومن ثم انتشار الفساد المالي والإداري الذي قابله امتعاض واحتجاج شعبي. وهناك سبب خامس يتعلق بتراكم مشكلات الفقر واتساع الفجوة بين طبقات المجتمع، و بين من يملك ومن لا يملك. بالإضافة إلى التآكل المتزايد للطبقة المتوسطة، والتي تمثل ركيزة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

س: ما هي تداعيات ما يحدث في العالم العربي على دول الخليج العربية؟

نحن في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية معنيون، بالتأكيد، بما تشهده المنطقة العربية من تغيرات سياسية وانتفاضات ثورية واحتجاجات شعبية. كما أننا لسنا دولاً جامدة، فقد شهدت دول مجلس التعاون كثيراً من التطورات السياسية والاقتصادية، وقد شهد العقد الماضي أبرز هذه التحديثات وأكثرها تسارعاً على كافة الأصعدة، تختلف سرعتها وصيغتها من دولة إلى أخرى.

وعلى الرغم من أهمية هذه التغيرات وانعكاساتها الإيجابية، لا تزال دول مجلس التعاون في حاجة إلى المزيد والمزيد. وعلى وجه التحديد، هناك ثماني نقاط قد تشكل كل منها آلية لاستيعاب تطلعات المواطنين، وتقدم تصوراً لكيفية تجنب حصول أي اختلالات في المنظومة السياسية والاقتصادية والمجتمعية في دول المجلس:
 
أولاً- يشهد مجلس التعاون نمواً سكانياً جارفاً، وقد يصل عدد السكان في دول المجلس إلى أكثر من 50 مليون نسمة في غضون الـ12-13 سنة القادمة. ومن ثم، ستتنامى احتياجات المواطنين إلى فرص العمل وغيرها من المطالب الاجتماعية والسياسية. وهذا يعني بذل مزيد من الجهود لبناء مؤسسات المجتمع المدني وتطويرها، وتعزيز المشاركة الشعبية، وحرية الصحافة، ورفع مستوى الشفافية، وغيرها.
 
ثانياً- بذل مزيد من الجهود لتكريس مفهوم المواطنة والانتماء في دول مجلس التعاون الخليجي، على كافة المستويات السياسية والشعبية، لإطفاء التداعيات السلبية للولاءات التقليدية الأسرية أو القبلية أو المذهبية.  وأعتقد أن الأجهزة السياسية والفعاليات الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية معنية بذلك تجنباً لأية تداعيات سلبية مستقبلية.
 
ثالثاً- إن مجتمعات دول مجلس التعاون مجتمعات فتية، يشكل الشباب فيها غالبية السكان، ولديهم قناعات تختلف عن قناعات الأجيال القديمة. ومن ثم، فإن من الضروري استيعابها، والأخذ بها والتعامل معها بإيجابية وجدية.

رابعاً- أهمية الارتقاء بمنظومة التخطيط الاستراتيجي في دول مجلس التعاون. فهناك جهات تعمل على قراءة الأحداث المستقبلية سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي، لكن هذه الجهات معنية حقيقة بتطوير ذاتها، كما أن الحكومات، وبالقدر نفسه، معنية بتطوير هذه الجهات وتطويع التشريعات الوطنية حتى تقوم على خدمة منظومات التخطيط الاستراتيجي. ولا يخفى على أحد مدى أهمية التخطيط الاستراتيجي لدول المجلس؛ بحكم أنها تتغير بشكل واضح من عام إلى آخر. ومن ثم، لا بد من وضع رؤى وخطط استراتيجية بعيدة المدى للسياسات الاقتصادية والتشريعات تكون قادرة على استيعاب ما يحدث من تغيرات  بأكبر قدر من الدقة والكفاءة.

خامساً- تسليط الضوء على سوق العمل، بهدف منح المواطنين الأولوية في سوق العمل، سواء في القطاع الخاص أو العام، ومعالجة هياكل الأجور بشكل موضوعي ودقيق، والمواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات أسواق العمل، والتركيز على التدريب النوعي الذي يستهدف رفع المستوى المهني للباحثين عن عمل.

سادساً- دعوة الجهات التنفيذية في دول مجلس التعاون إلى التفاعل مع برامج التكامل المشترك بما يتناسب وتحديات المرحلة، وتسريع تنفيذ هذه البرامج، وأخذها بمستوى عال من الجدية. وأخص بالذكر السوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي.

سابعاً- ضرورة تنويع القاعدة الإنتاجية لاقتصادات دول المجلس، لتشمل قطاعات إنتاجية جديدة قادرة على زيادة حجم الاقتصاد الخليجي، والرفع من تنافسيته الإقليمية والدولية، وزيادة فرص العمل المتاحة للمواطنين، وخلق نشاطات استثمارية وتجارية موازية للقطاع الخاص الوطني ليكون شريكاً حقيقياً في الوفاء بهذا المطلب الاستراتيجي المهم. ويلاحظ أن مسألة تنويع الاقتصاد هي همٌ دائم لدول المجلس؛ بمعنى إيجاد قطاعات اقتصادية جديدة، تجارية وخدمية، حتى يستطيع الاقتصاد الخليجي استيعاب أي تحديات مستقبلية من جهة، وتقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية، وإيجاد فرص عمل جديدة من جهة أخرى.

ثامناً- أهمية تعزيز المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار الجماعي على مستوى مجلس التعاون. وهناك هيئة استشارية للمجلس الأعلى أنشئت في عام 1997 وكانت خطوة للاستفادة من الكفاءات والخبرات الخليجية، كما أنها نبعت من قناعة المجلس الأعلى بأهمية المشاركة الشعبية والتشاور. وقد صدر أيضاً قرار هام في هذا الصدد في 2007، يتعلق باستحداث آلية لعقد اجتماعات دورية للمجالس التشريعية (الشورى والنواب والوطني والأمة) تحت مظلة مجلس التعاون. ولكن في رأيي أن المرحلة القادمة في حاجة إلى خطوات أوسع وأشمل لتعزيز المشاركة الجماعية.           

س: في ضوء تجربة توظيف قوات درع الجزيرة في البحرين، هل يمكن تطوير هذه القوات لتتحول إلى قدرة عسكرية موحدة لدول مجلس التعاون؟

بلا شك، إن إنشاء قوات درع الجزيرة أتى نتيجة قناعة راسخة لدى دول المجلس بأنها تواجه على الدوام مصيراً مشتركاً، وهذه القوات هي في الأساس امتداد لاتفاقية الدفاع المشترك. وكما تابعتم جميعاً، فقد اتخذت دول مجلس التعاون قراراً بإسناد مهمة المحافظة على أمن المنشآت الحيوية في مملكة البحرين نتيجة الأحداث الجارية هناك. وكما أسلفت، إن مجلس التعاون ليس منظومة جامدة، ولدينا دائماً هاجس التطوير لكافة أجهزته ومؤسساته حسب ما تقتضيه المرحلة. وتطوير قوات درع الجزيرة لتأخذ صيغة أخرى، أمر يقع في نهاية المطاف ضمن إطار هذا التحديث والتطوير المستمر، ولكن من السابق لأوانه البت في شكل و تفاصيل هذا التحديث.

س: كيف يمكن تطوير تجربة التكامل الخليجي على نمط الاتحاد الأوروبي، وهو لم يستكمل الوحدة النقدية حتى الآن؟

بطبيعة الحال، نحن في مجلس التعاون ننظر ونتابع بعناية التجارب التكاملية الدولية. والاتحاد الأوروبي، بلا شك، يشكل نموذجاً ناجحاً يقدم دروساً مستفيضة في المجال التكاملي. وقد قام مجلس التعاون في الحقيقة على رؤية واضحة تشكلت في النظام الأساسي لمجلس التعاون، وتستند هذه الرؤية إلى المفهوم الوحدوي سواءً أكان سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

وقد وقعت دول مجلس التعاون على الاتفاقية الاقتصادية فيما بينها قبل حوالي ثلاثين عاماً، ثم عادت في عام 2001م وأقرت نسخة جديدة من هذه الاتفاقية لتأخذ في الاعتبار التطورات الاقتصادية العالمية ولتواكب الرغبة الملحة في مزيد من التحديث لمسيرة العمل الاقتصادي المشترك. وهذا بدوره يؤكد جانبين، الجانب الأول أننا نؤمن بالتغيير والتحديث ونتعامل معه بجدية. أما الجانب الثاني، فيتعلق بأننا ننظر إلى أفضل الأساليب والصيغ لتحقيق المزيد من التكامل بين دول المجلس. وهذا الأمر في نهاية المطاف لا يلغي إمكانية تحديث منظومة مجلس التعاون؛ لتصبح أكثر فعالية على الجانب التنفيذي.

أما بشأن آخر المستجدات في موضوعي العملة الموحدة والبنك المركزي الخليجي، فقد تحقق الكثير خلال السنوات التسع الماضية. في هذا الصدد، فقد تم استكمال الإطار التشريعي والمؤسساتي للاتحاد النقدي، كما تمت صياغة آليات تنفيذ المتطلبات الفنية للعملة الموحدة. وكان نتاج هذا الأمر أن وقعت أربع من الدول الأعضاء على اتفاقية الاتحاد النقدي. كما تم إنشاء المجلس النقدي ليقوم على استكمال صياغة النظام الأساسي للبنك المركزي، وكذلك استكمال المتطلبات التشريعية والفنية الأخرى لإصدار العملة الموحدة. وبمجرد الانتهاء من هذا الأمر، سيتحول المجلس النقدي إلى بنك مركزي. ويعمل المجلس النقدي حالياً على وضع الإطار الزمني لطرح العملة الموحدة للتداول في ضوء تحقيق هذه المتطلبات. 

Share