التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية في فلسطين.. الأهمية والتحديات

  • 22 ديسمبر 2019

ينطوي إعلان رئيسة الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا، يوم الجمعة، عزمها فتح تحقيق كامل في جرائم الحرب في الأراضي الفلسطينية على أهمية كبيرة، ليس لأنه قد يسفر عن إدانة للاحتلال على جرائمه التي لا تحصى بحق الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من سبعة عقود، ولكن لأن هذا التحرك يعد سابقة على هذا المستوى. فما أهمية هذه الخطوة؟ وما العقبات في طريقها؟ وما المدى الذي قد تصل إليه؟
هذه الخطوة جاءت بالطبع بعد طلب من السلطة الفلسطينية التي سارعت إلى الترحيب بالإعلان الذي «طال انتظاره»، وجاء «بعد ما يقارب خمس سنوات من بدء الدراسة الأولية عن الحالة في فلسطين»؛ حيث أعرب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات عن هذا الترحيب بالقول إن «هذا يوم أسود ووصمة عار للاحتلال الإسرائيلي الذي يقوم بالإعدامات الميدانية وبناء المستوطنات والاغتيالات والاعتقالات والتطهير العرقي ولن تمر هذه الأمور، وسندافع عن أنفسنا بكل ما نملك بالطرق القانونية». ويتوقع بالطبع أن يلقى هذا التحرك ردود فعل مرحبة من الدول العربية وكذلك أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي والعديد من دول العالم وأحراره؛ وبالمقابل كان متوقعاً أن يرفض الكيان الإسرائيلي الذي سارع رئيس وزرائه اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو، إلى التعبير عنه وعن غضبه إزاءه مدعياً أن المحكمة لا تمتلك سلطة التحقيق في جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية، ووصف ذلك بأنه «يوم أسود للحقيقة والعدالة».
وأياً يكن الموقف، فالسؤال الذي يثار الآن هو: هل يمكن أن تمضي المحاكمة فعلاً؟ وما التحديات التي تواجه طريقها؟
بالطبع لم تكن المدعية العالمية لتعلن قرارها هذا لو لم يكن لديها ما يكفي من أدلة تمكنها من تحريك التحقيق؛ وقد أكدت أن لديها «قناعة بأن جرائم حرب ارتكبت أو ترتكب في الضفة الغربية بما يشمل القدس الشرقية وكذلك في قطاع غزة». فالتحقيق الأولي من قبل المحكمة الجنائية الدولية خلص، وفقاً لمصادر السلطة الفلسطينية، إلى ارتكاب إسرائيل جرائم حرب في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة؛ ومن ثم جاء الإعلان كنتيجة لهذه الخلاصة. وربما تعتبر القناعات التي عبرت عنها المدعية العامة الدولية حقائق لدى الكثيرين حول العالم خاصة في ظل وجود أدلة دامغة، وثّقتها منظمات حكومية وغير حكومية؛ وهناك العديد من التقارير الأممية التي أصدرتها لجان تقصي الحقائق التي كانت ترسلها الأمم المتحدة، وخاصة في أعقاب الحروب الهمجية التي شنها الكيان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة؛ ولطالما طالبت المنظمات الدولية بفتح تحقيق في جرائم حرب في فلسطين؛ فجرائم قوات الاحتلال كانت في الحقيقة توثق تلفزيونياً؛ حيث كانت المجازر واستهداف المدنيين وهدم البيوت على قاطنيها وحتى المدارس التي كان يلجأ إليها الناس بسبب القصف العشوائي، تتم على الهواء مباشرة؛ ومن ثم فإن هناك الكثير من الأدلة الموثقة التي مكنت المدعية العامة من البدء في التحقيق.
ولكن مع ذلك، فإنّ توافر الأدلة التي لا مجال للشك في قوتها لا يعني بالضرورة أن التحقيق سيستمر بشكل سلس؛ فهناك عقبات، بل تحديات، أولها أنّ الكيان الإسرائيلي لن يقف متفرجاً؛ بل سيستخدم كل إمكاناته وسيلجأ إلى كل الوسائل حتى القذرة منها لوضع العراقيل ووقف التحقيق؛ كما ستعمل الولايات المتحدة على ذلك بقوة؛ وستتحرك اللوبيات داخل أمريكا وخارجها؛ وبرغم أن واشنطن استنفذت كل أوراقها التي يمكن أن تستغلها للضغط على الفلسطينيين، حيث قطعت المساعدات عنهم وأغلقت مقار مؤسساتهم، وقدمت للكيان الإسرائيلي كل ما كان يطالب به، من سيادة على القدس وشرعنة للمستوطنات، فإنها ستلجأ إلى وسائل أخرى للضغط ليس فقط على الفلسطينيين، وإنما أيضاً على المحكمة وأعضائها؛ ومن ثم فإن حجر العثرة الأولى سيكون الاحتلال وحليفته الولايات المتحدة. ثانياً، قد تتراجع السلطة الفلسطينية نفسها عن دعم التحقيق في مرحلة ما؛ حيث نعرف أن السلطة قدمت الأوراق والأدلة للمحكمة ليس من موقف مبدئي؛ بل في سياق ضغوط شعبية، والأهم سياق مساومة بسبب استمرار الاستيطان والتضييق على السلطة؛ ومن ثم قد تصبح القضية ورقة مساومة. وثالثاً، أنه ما لم يكن هناك موقف عربي داعم بقوة؛ فلا يتوقع أن يستمر التحقيق أو يحقق النتيجة المرجوة منه، وهي إدانة الاحتلال وقياداته التي ارتكبت جرائم حرب لا تقل بشاعة عن جرائم النازية.

Share