التحصين السياسي للعراق

  • 9 يونيو 2010

على الرّغم من الضربات الشديدة التي تعرّض لها تنظيم "القاعدة" في الساحة العراقيّة خلال الفترة الماضية، وعبّرت عن نفسها في تصريحات المسؤولين العسكريين والأمنيين، العراقيين والأمريكيين، بشأن اعتقال غالبيّة قادة التنظيم أو قتلهم، فإن العراق ما زال يعاني أعمال العنف والإرهاب، وما زالت مصادر التوتر والاضطراب وعدم الاستقرار عديدة وخطرة، ولعلّ التفجيرات والهجمات التي أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات أول من أمس في مناطق مختلفة في بغداد وغيرها، تمثل مؤشراً مهمّاً في هذا الصدد، خاصة أنها تأتي استكمالاً للهجمات الإرهابيّة التي أوقعت المئات منذ الانتخابات البرلمانيّة التي جرت في شهر مارس من العام الجاري.

لا شكّ في أن هناك جهداً أمنياً كبيراً تبذله أجهزة الأمن العراقيّة من أجل ملاحقة العناصر الإرهابية ومنعها من تنفيذ جرائمها، ولا شكّ كذلك في أن هناك نجاحات وإنجازات مهمّة تم تحقيقها، ما أدى إلى تراجع معدل الهجمات الإرهابيّة بشكل واضح، ولكن الجهد الأمني وحده ليس كافياً لإحلال الأمن والقضاء على الإرهاب، وإنما لا بدّ من أن يكون هناك استقرار سياسيّ ونظام حكم يتفق الجميع حول المبادئ التي يقوم عليها، لأن هذا هو التحصين الحقيقي للبلاد في مواجهة أيّ مصدر من مصادر الخطر مهما كانت شدّته أو درجة شراسته.

الأزمة السياسيّة التي يعيشها العراق منذ انتخابات مارس الماضي بسبب الخلاف حول تشكيل الحكومة المقبلة، هي أكبر خطر على حاضره ومستقبله وطبيعة العلاقة بين قواه وطوائفه، كما أنها أخطر مصدر للاضطراب وعدم الاستقرار والتوتر، ليس السياسيّ فقط، وإنما الاجتماعي والعرقي والمذهبي، إضافة إلى الأمني أيضاً. ولذلك فإن التصدّي الحقيقي للإرهاب والعنف يبدأ في الأساس من السياسة، ثم يتفرّع إلى الجوانب الأخرى، لأن وجود نظام سياسي قوي ومستقرّ ومحل قبول، يمثل المدخل الحقيقيّ والأساسيّ لمواجهة المشكلات التي يواجهها العراق على المستويات كافة، وفي مقدّمتها المستوى الأمني. وفي ضوء ذلك ليس غريباً أن تتصاعد أعمال العنف بشكل لافت للنظر في الفترة التالية للانتخابات البرلمانية الأخيرة في ظلّ أجواء الانقسام السياسي وما يصاحبها من توترات عرقيّة وطائفيّة، ومن ثم عدم القدرة على تشكيل الحكومة الجديدة، وتعريض البلاد إلى حالة خطرة من الفراغ السياسي لا تظهر في الأفق مؤشرات أو تحرّكات جديّة من أجل تجاوزها في وقت قريب. لدى قوى الإرهاب مخطّطاتها الشريرة لزعزعة استقرار العراق، ودفع طوائفه المختلفة إلى التناحر والتقاتل، لكن يمكن مواجهة هذه المخطّطات وإجهاضها عبر طيّ صفحة الخلافات السياسية، وإنجاز مشروع المصالحة، وإدراك حقيقة على قدر كبير من الأهميّة، وهي أنه مهما كانت قوة الإجراءات والتدابير الأمنيّة وفاعليتها، فإن التحصين الحقيقي والفاعل للعراق لا يكون إلا عبر إطار وطنيّ شامل يشارك فيه الجميع، وله أبعاده السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة والثقافيّة وغيرها. وما دام هذا الإطار الوطنيّ غائباً، فستظل هناك الثغرات التي ينفذ من خلالها كلّ مَنْ يريد الإساءة إلى البلاد، والنَّيل من استقرارها، وتهديد وحدتها وقيمة التعايش بين أبنائها.

Share