التحرك ضد الطائفيّة في‮ ‬لبنان

  • 29 مارس 2011

خلال شهر مارس الجاري شهد لبنان العديد من التظاهرات ضد الطائفيّة في البلاد، كان آخرها التظاهرة التي حدثت أول من أمس، في إشارة إلى إدراك شعبيّ يتزايد مع مرور الوقت أن الطائفية هي أكبر خطر يهدّد المجتمع اللبناني، ويشوه النموذج السياسي والاجتماعي الذي يمثله في إطاريه العربي والإقليمي. على الرّغم من أن الخلافات بين القوى المختلفة داخل المشهد اللبناني لا تتمحور بشكل أساسيّ حول التقسيمات الطائفية، فإن البعد الطائفيّ هو أحد الأبعاد الظاهرة بوضوح فيها، والخطر في الأمر أنه في السنوات الأخيرة، ولأسباب مختلفة بعضها داخلي والآخر خارجي، بدأت الجوانب الطائفيّة تطفو بقوة على الساحة اللبنانية، وهذا أثار قلق اللبنانيين الراغبين في مجتمع تحكمه قيم التعايش والمواطنة بعيداً عن التمترس وراء الدّين أو المذهب. تظل الخلافات السياسية، مهما كانت شدتها ودرجة تباعد المواقف بين القوى المختلفة فيها، ظاهرة إيجابيّة تمثل إضافة مهمة إلى حيوية أيّ مجتمع ما دامت في إطارها السياسي الوطني السلمي، لكن الخطر يبدأ حينما تتحول الخلافات السياسيّة لتكتسي بصبغات دينية أو مذهبية، ففي هذه الحال تصبح خطراً كبيراً على أمن أي مجتمع، وسلامه الاجتماعي، وواقع التعايش بين أبنائه، خاصة إذا ما تعلّق الأمر بمجتمع مثل المجتمع اللبناني له خصوصيته في تركيبته الدينية والمذهبية، التي تقتضي أول ما تقتضي إبعاد الاعتبارات الدينيّة والطائفيّة عن المواقف السياسية. عندما تختلط التباينات الطائفية والدينية بخلافات السياسة، فإن هذه الخلافات تكتسب طابعاً أكثر حدّة وجموداً، وربما يتطوّر الأمر إلى صراعات دموية كارثية، لأن الأمر في هذه الحال يتجاوز مرونة السياسة واتساعها إلى صرامة الأحكام والمواقف المتعلّقة بالعقائد والمقدسات.

لقد عانى لبنان، ربّما أكثر من غيره من دول المنطقة العربية على مدى سنوات طويلة من تاريخه الحديث، الآثار السلبية للطائفيّة، ودفع ثمن ذلك من أمنه واستقراره وتنميته ودماء أبنائه، ولذلك فإن أيّ تحرك في مواجهة النظام الطائفي فيه يستند إلى تراث طويل من المعاناة والخبرة السيئة مع الصراعات الدينية والمذهبية المدمّرة، خاصة خلال سنوات الحرب الأهلية المدمّرة التي امتدت من عام 1975 إلى عام 1990. لا شك في أن الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان منذ سنوات، وتسببت في حال التوتر السياسيّ الظاهر بين قواه المختلفة خلال الفترة الأخيرة، لها أبعادها وجوانبها المتعدّدة والمعقّدة بشكل كبير، ومن ثم يحتاج التعامل الفاعل معها إلى رؤية وطنية متكاملة وشاملة يتم التوصل إليها عبر حوار وطني جامع، أهم عناصرها التأسيس القويّ للتعايش السلميّ بين القوى والطوائف اللبنانية المختلفة على قاعدة الوطنية الجامعة التي تعلي المصالح العليا للوطن بعيداً عن أيّ حسابات طائفية أو دينية ضيقة.

Share