التحرك الفلسطيني الجديد على الساحة الدولية: مضامين وردود

  • 6 يناير 2011

بعد أن تمكنت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما من تحريك عجلة المفاوضات على المسار الإسرائيلي- الفلسطيني، برزت عقبة التجميد الثاني للأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، وتسببت بالإعلان الأمريكي، في خطوة غير مسبوقة، عن الإخفاق في إقناع حكومة إسرائيل بتذليل هذه العقبة. ومع ذلك استمرت إدارة أوباما في البحث عن "سبل أخرى" لاستئناف المفاوضات.

وإزاء ذلك، راحت السلطة الفلسطينية تجرب "حظها" بالتحرك على الساحة الدولية، بحثاً عن خشبة خلاص محتملة، انطلاقاً من الأمل بأن استجابة المجتمع الدولي للاستغاثة الفلسطينية ستكون أفضل حالاً من اللامبالاة الإسرائيلية- الأمريكية. ولوحظ أن ذلك التحرك، بدأ يسير وفق ثلاثة خطوط متوازية، هي؛ رفع المستوى الديبلوماسي لممثليات السلطة الفلسطينية لدى مختلف العواصم العالمية، والعمل على استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي للتنديد بالبناء في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، وتصعيد النشاط الدبلوماسي للاعتراف بدولة فلسطينية في حدود 1967.

اتضح من مضامين هذا التحرك أن السلطة الفلسطينية عُنيت بتعزيز مكانتها الدولية، ووجدت في هذا المنحى تشجيعاً أولياً من "لفتة" إدارة أوباما في تموز/ يوليو2010، المتمثلة برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني لدى واشنطن، بمنح "بعثة" منظمة التحرير صفة "مفوضية عامة"، في إطار خطوات تهدف إلى تشجيع السلطة الفلسطينية على الانتقال إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. وكان هذا التغير يتطابق مع الصفة التي تستخدمها بعثات منظمات التحرير في أوروبا وكندا وأمريكا اللاتينية. وبعد ذلك رفعت الحكومة الفرنسية مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني من وضع "مفوضية عامة" إلى مستوى "سفارة". وظهرت محاولات فلسطينية لاستنساخ هذه الحالة لدى عواصم أوروبية أخرى.

وحول الموقف الدولي من الاستيطان، اعتبرت السلطة الفلسطينية أنها لا تريد سوى تأكيد عدم شرعية المستوطنات في الضفة الغربية والقدس، تمشياً مع القوانين الدولية الخاصة بالمناطق المحتلة. لذا طلبت عقد اجتماع لمجلس الأمن لبحث البناء في المستوطنات في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. ثم وزعت بعثة فلسطين على أعضاء مجلس الأمن "مسوّدة مشروع قرار" يدين الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، ويطالب إسرائيل بوقفه فوراًَ، وتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة، وخصوصاً توفير حماية دولية للفلسطينيين، وتطبيق "خارطة الطريق" وتنفيذ "حل الدولتين"، وعودة الأطراف إلى المفاوضات للتوصل إلى اتفاق سلام. وحسب المعلومات المنشورة، قرر المندوبون العرب تأجيل رفع مشروع القرار إلى ما بعد انتهاء رئاسة الولايات المتحدة الدورية لمجلس الأمن، وانتقال المهمة إلى البوسنة والهرسك، قريباً.

أما بخصوص الاعتراف بالدولة، فكان الأمر مثل صب الزيت على النار، نظراً لأن الحسابات الفلسطينية افترقت كثيراً عن الحسابات الإسرائيلية والدولية.. كيف؟!

فلسطينياً؛ تبلورت قناعة بأن الدولة الفلسطينية التي يفترض أن يعترف بها العالم  تنتمي إلى المسار الذي تضمن لجوء المجلس الوطني الفلسطيني(الجزائر 15 نوفمبر1988) إلى إعلان قيام "دولة فلسطين"، وآنذاك قوبلت هذه الخطوة باعتراف نحو 95 دولة بالدولة الجديدة، واتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بأغلبية 104 دول، يتضمن أنها أخذت علماً (Acknowledge) بالإعلان عن دولة فلسطين من جانب المجلس الوطني الفلسطيني. وفي الرابع من أيار/ مايو 1999، يوم انتهاء مفعول الاتفاق الانتقالي الذي وقعه الفلسطينيون مع إسرائيل، اعتقد الفلسطينيون أنه بسبب الفراغ القانوني الذي سينشأ كنتيجة لذلك، عليهم أن يعلنوا عن دولة مستقلة، ولكنهم أعرضوا عن هذه الفكرة، لأسباب تتعلق بالرفض الإسرائيلي والدولي. وفي عام 2008، بعد أن أعلنت كوسوفو استقلالها، فكر الفلسطينيون مجدداً بإعلان استقلال الدولة الفلسطينية. وللأسباب ذاتها تبخرت هذه الفكرة بسرعة ملحوظة. واليوم، تعود إمكانية الإعلان عن الدولة بتأثير الحالة السياسية التي نشأت مؤخراً. وقد أبدى مسؤولو السلطة الفلسطينية إصراراً هذه المرة على تجسيد الفكرة، استناداً إلى موعد اعتبروه مقدساً هو أيلول/سبتمبر هذا العام 2011.. لماذا؟ .. أولاً، لأن إدارة أوباما حددت ابتداء من يوم انطلاق المفاوضات المباشرة في مطلع أيلول/سبتمبر 2010، مدة عام لإنجاز الحل، وثانياً، الاستناد المتفائل إلى قول أوباما "العام المقبل سنلتقيكم في الأمم المتحدة"، وثالثاً، انتهاء بناء مؤسسات الدولة في التاريخ المذكور. وجرى التركيز على أن الأمر يتعلق بقيام دولة، وليس بإعلانها، وأن هذه الدولة في حال بقاء الجيش الإسرائيلي على أراضيها لن تكون دولة ذات سيادة وإنما دولة "ميكي ماوس"، حسب وصف رئيس وزراء السلطة سلام فياض.

إسرائيلياً ؛ لم يتأخر الرد على التحرك الفلسطيني، الذي رأت فيه حكومة نتنياهو تحدياً لإسرائيل، بالاستقواء بالإرادة الدولية، وكأن هذه الإرادة موجودة بالفعل. وتضمن ذلك الرد العديد من الصيغ، أبرزها: انطلاق الحكومة الإسرائيلية إلى ما أسمته "معركة صد سياسي" لإحباط المبادرة الفلسطينية، مع حملة صاخبة ضد ما وصفته بأنه "مسعى فلسطيني لنزع الشرعية عن إسرائيل"، وإقناع العالم بأن أساس المشكلة يكمن في رفض الفلسطينيين وجود دولة يهودية، وليس سياسة الحكومة الإسرائيلية في موضوع الاستيطان وغيره. وفي هذا الصدد عممت الخارجية الإسرائيلية على سفرائها في مختلف دول العالم "ورقة موقف قانوني" يتعين عليهم أن ينقلوها إلى محادثيهم، تُعنى بالتركيز على أن المفاوضات المباشرة وحدها يمكنها أن تحلّ النزاع حول كل المسائل الخلافية، وليس الخطوات أحادية الجانب التي تتعارض مع الاتفاقات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ومع القرارات الدولية المتعلقة بالمسيرة السلمية.

وعلى الصعيد العملي، لوّحت حكومة نتنياهو بأنه في حال قيام السلطة الفلسطينية باتخاذ أي خطوات تُصنّف على أنها "أحادية الجانب"، هناك قائمة عقوبات تنتظرها لاستخدامها، تشمل: ضم مناطق تابعة للسلطة في الضفة الغربية إلى إسرائيل، أو إحياء خطة "الانطواء" التي طرحها رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، وعرقلة نشاط السلطة في مناطق "ج" (الخاضعة لسيطرة أمنية ومدنية إسرائيلية)، وإعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الضفة. وفي محاولة لاستباق هذا المصير، عادت إسرائيل إلى تكرار نغمة "التوصل إلى اتفاق مرحلي بعيد المدى" مع الفلسطينيين، بذريعة عبّر عنها نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان، وهي أنه من المستحيل توقيع اتفاق شامل اليوم مع الفلسطينيين، حول ملفي القدس واللاجئين.

واستهتاراً بجهود الفلسطينيين وبالتعاطف الدولي معهم، اعتبر نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون أن اعتراف بعض الدول البعيدة في أمريكا اللاتينية بدولة فلسطينية على حدود عام 1967 لا يعدو أن يكون مثل النقر على خيار "أحبّذ" (I Like) على موقع "فيسبوك"، مشيراً إلى أنّ هذه الاعترافات ستسفر عن إقامة "دولة على فيسبوك فقط"، بينما "ستنشأ دولة فلسطينية حقيقية غير وهمية بالتفاوض فقط مع الحكومة المنتخبة في إسرائيل". وبذلك أرادت إسرائيل أن تحدد ممراً إجبارياً للمطالب الفلسطينية هو التفاهم مع إسرائيل، ما يعني بالترجمة العملية الاستجابة لإملاءاتها.

أمريكياً؛ برزت مؤشرات تبين أن إدارة أوباما تعزف المقطوعة الإسرائيلية في الرد على التحرك الفلسطيني، وكانت المفردات التي كررتها من قبيل؛ لا يوجد بديل عن المفاوضات المباشرة، ولا يمكن للولايات المتحدة والمجتمع الدولي أن يفرضا الحل، بل إن الطرفين وحدهما فقط هما القادران على تحقيقه، وأن الولايات المتحدة تؤيد "حل الدولتين" مع تبادل أراض متفق عليه، بما يضمن إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل كدولة يهودية، وإنهاء كافة المطالب والادعاءات التاريخية.

وبعد قرار مجلس النواب الأمريكي معارضة الاعتراف بدولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، وطلب استخدام "الفيتو" في مجلس الأمن ضد كل اقتراح بالاعتراف بدولة فلسطينية ليست جزءاً من اتفاق مع إسرائيل، جاءت "ورقة الموقف غير الرسمية" (Non Paper) التي عرضتها إدارة أوباما على السلطة الفلسطينية، وسربتها هذه بدورها، أواخر العام الماضي، لتؤكد أن الموقف الأمريكي الجديد شكل تراجعاً ملحوظاً عن سابقه، حيث تبين أنه يتضمن: لا انسحاب إسرائيلياً في الاتفاق النهائي إلى حدود عام 1967، والتخلي عن الخطة الأمنية التي عكف على صياغتها مستشار الأمن القومي السابق جيمس جونز عندما تولى إبان إدارة بوش مهمة إعداد خطة لإنهاء الملف الأمني في اتفاق الوضع النهائي، ورفض الإدارة الأمريكية توجه السلطة الفلسطينية إلى مجلس الأمن بشأن الاستيطان والدولة، وهو ما يعني التلويح بإزالة أي مشروع حول ذلك عن جدول أعمال مجلس الأمن أو باستخدام "الفيتو" ضده.

أوروبياً ؛ كرر مسؤولو الاتحاد الأوروبي رفض طلب السلطة الفلسطينية بالاعتراف أحادى الجانب بدولة فلسطينية، واكتفوا بالإعراب عن أسفهم من إخفاق محاولات تجديد عملية تجميد البناء في المستوطنات.

وفيما كانت تنبعث أشعة أمل بتغير الصورة الدولية، بتوالي الاعترافات بالدولة الفلسطينية من قبل بعض دول أمريكا اللاتينية، كان الفلسطينيون يئنون تحت وطأة محاباة الدول الكبرى لإسرائيل، ويتجرعون الحقيقة المرة بأن السيد الأمريكي حاضن الطفل الإسرائيلي المدلل سيجهض المبادرة الفلسطينية في مجلس الأمن وبعدها في محكمة العدل الدولية، ليتأكد مجدداً أن مراهنة الفلسطينيين حالياً على أي تسوية، تحقق ولو الحد الأدنى من مطالبهم، هي مراهنة خاسرة سلفاً، على عكس المساعي الجادة لتعديل ميزان القوى بالوحدة الوطنية والتمسك براية المقاومة، التي أصبحت قدرهم التاريخي.

Share