التحركات الإسرائيلية لمواجهة طرح الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة

  • 11 يوليو 2011

مع غياب المَخرَج للمفاوضات والحل مع إسرائيل، قررت القيادة الفلسطينية التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، والانضمام إلى عضوية الأسرة الدولية، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية منذ عام 1947، وعملاً بحق تقرير المصير لجميع الشعوب وفق ميثاق الأمم المتحدة. وقد دعت السلطة الفلسطينية جميع دول العالم من دون استثناء إلى دعم هذا التوجه، خلال الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل. وبينما يشير الفلسطينيون إلى أنهم يحظون في هذه المرحلة بتأييد نحو 110 دول، فإنهم يفترضون أن تصوّت هذه الدول لصالح قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة.

وحسب كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات؛ يعتزم الفلسطينيون انسجاماً مع المهل القانونية، التقدم بطلب لاعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطينية في نهاية تموز/يوليو الحالي 2011، مشيراً إلى أن القرار النهائي لتقديم الطلب من عدمه، سيُتخذ في اجتماع جامعة الدول العربية بالقاهرة خلال هذا الشهر.

وبصرف النظر عن التمايز بين قيام دول العالم بالاعتراف (Recognition) بدولة فلسطين، وقبول عضوية(Admittance) هذه الدولة كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة، فقد تمحورت الردود الإسرائيلية حول كيفية صد التحرك الفلسطيني في هذا الاتجاه الجديدة وكبح مسيرته. 

ولوحظ أن الحملة الإسرائيلية أثمرت موقفاً مؤيداً وصريحاً من الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية عدة ضد الخطوة الفلسطينية، التي تؤيدها غالبية الدول العربية. وطبقاً للتقارير الإسرائيلية، أخذ الصراع الدبلوماسي يدور أيضاً في الزوايا الأكثر نأياً في العالم، حيث تحاول وزارة الخارجية الإسرائيلية التنسيق مع وزراء خارجية مجموعة دول البحر الكاريبي، التي تضم خمس عشرة دولة، معظمها جزر صغيرة. وستسعى للاتصال بوزراء في دول أفريقية لممارسة الضغط على هذه الدول للتصويت ضد الخطوة الفلسطينية أو الامتناع عن التصويت على الأقل. فضلاً عن قيام وزراء إسرائيليين، لهذا الغرض، بزيارات لدول عدة، بعضها لم يتوجهوا إليها منذ سنوات طويلة.

وعلى الرغم من محاولة الرباعية في الحادي عشر من تموز/يوليو في واشنطن إيجاد بديل عن التصويت في الأمم المتحدة، فإنه يجدر التوقف عند مفردات الأداء الإسرائيلي في هذه المسألة؛ لإدراك أبعاد الأهمية التي توليها إسرائيل لها. ويتبّين من متابعة تلك المفردات أن إسرائيل وضعت هدفاً أولياً يتمثل بتحقيق كتلة من 40-60 دولة، بما فيها دول مؤثرة كدول الاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا واليابان، لمعارضة الخطوة الفلسطينية. ومع أن مثل هذه الكتلة لن تمنع اتخاذ القرار بأغلبية واضحة، فإنها، بتقدير إسرائيل، يمكن أن "تنزع الشرعية" عن الخطوة الفلسطينية، عبر عدم تمكين الفلسطينيين من الحصول على أغلبية الثلثين الضرورية لذلك (من أصل 192 دولة) لقطع الطريق أمام الوصول إلى مجلس الأمن، الذي تعتبر توصيته شرطاً للاعتراف بالدولة كعضو في الأمم المتحدة.

وعلى الرغم من التحركات الإسرائيلية المحمومة على الساحة الدولية لعرقلة التحرك الفلسطيني، فإن الإسرائيليين يعدّون الأرضية للإخفاق المحتمل، حيث أكد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، خلال استعراض المسألة أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست أنه؛ "ليس بوسع أحد أن يمنع القرار بالاعتراف بدولة فلسطينية، ولاسيما في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي يمكن أن تتخذ أي قرار، حتى إنها يمكن أن تتبنى قراراً يقول إن الأرض مسطحة".. ولهذا يتركز الجهد الإسرائيلي على المراهنة بأن الخطوة الفلسطينية لن تستطيع اخترق مجلس الأمن، عبر إقناع أعضاء المجلس، ولاسيما الدول الخمس الدائمة العضوية فيه بضرورة إسقاط مشروع القرار، أو بالاعتماد على "الفيتو" الأمريكي لإفشال هذا المسعى، وعندئذ لن يكون للإعلان عن إقامة دولة فلسطينية مفعول قانوني، في ظل انعدام توصية من مجلس الأمن.

وقد استند الخطاب السياسي والذرائعي الإسرائيلي في الساحة الدولية إلى الادعاء بأن اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية يلحق ضرراً بالجهود المبذولة لاستئناف مفاوضات السلام"، بدعوى أن "القيادة الفلسطينية ستركن إلى هذا الاعتراف وستستغله للامتناع عن استئناف المفاوضات، وللعودة إلى طريق "الإرهاب"، والمطالبة بمفاوضات على أساس القرار الجديد في الأمم المتحدة، الأمر الذي سيشكل عقبة أخرى أمام الحل. وزعموا في إسرائيل أيضاً أن الاعتراف الأحادي بدولة فلسطين سيُدخل إيران إلى المنطقة العربية من أوسع أبوابها وسيتيح لها السيطرة على المنطقة.

أما في حساباتهم الخاصة، فيقدّر الإسرائيليون أن إعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد وحصولها على اعتراف الأمم المتحدة سيخلق أزمات قانونية عديدة أمام إسرائيل، إلى جانب صعوبات على المستوى الأمني والمدني والدبلوماسي. وكمثال، أشار الخبير في القانون الدولي لحقوق الإنسان "ميخال سفراد" إلى أنه في حال قرر أحد الوزراء الأوروبيين زيارة رام الله حالياً فإن تلك الزيارة يتم التنسيق بشأنها مع إسرائيل، ويتم دخوله عبر أحد المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، لكن هذا الأمر في المستقبل سيكون مختلفاً تماماً. يضاف إلى ذلك أن إسرائيل ستسيطر على دولة ذات سيادة لها عضويتها في الأمم المتحدة، وستورط نفسها في تعقيدات سياسية وقانونية كثيرة، وستكون هناك ثلاثة أسباب تتيح لمجلس الأمن فرض عقوبات على إسرائيل، وهي؛ تهديد السلام، وخرق المعاهدات، والقيام بعمليات عدوانية ضد دولة عضو في الأمم المتحدة. بينما في الوضع القديم (الحالي) لم يفرض مجلس الأمن أي عقوبات من هذا النوع على إسرائيل.

وبالمثل، يحذر رجال الاقتصاد الفاعلون في إسرائيل من الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة في الأمم المتحدة، مؤكدين أنّ الاعتراف سيؤدي إلى فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل، وأنه في اليوم الذي سيلي الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة ستبدأ إسرائيل بالتحول إلى حالة جنوب أفريقيا، في زمن العزل العنصري.

وفي تفاصيل السلوك الدبلوماسي الإسرائيلي، تمت إقامة "محفل أيلول"، برئاسة رئيس قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الإسرائيلية السفير يعقوب هداس، كما عممت الوزارة إلى سفاراتها في مختلف دول العالم خطة للعمل بعنوان "إحباط الخطوة الفلسطينية المتوقعة في الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر– تعليمات للعمل". وفي هذه الخطة كانت التوجيهات حازمة للسفراء بضرورة التحرك بصورة مركزة، لإقناع الدول التي يخدمون فيها بالتصويت ضد الاعتراف بدولة فلسطينية، وذلك بالتوجه إلى أعلى المستويات السياسية، وممارسة "مضاعفات القوة ذات الصلة" (وهذا هو الاسم الكودي للجماعات اليهودية واللوبيات الصهيونية والمنظمات غير الحكومية وغيرها) واستخدام وسائل الإعلام، والتأثير على الرأي العام المحلي باستخدام الإعلام الدعائي تجاه الجماهير المستهدفة ذات الصلة. والادعاء الأساس في هذا الشأن هو أنه "من خلال الخطوة في الأمم المتحدة يحاول الفلسطينيون تحقيق أهدافهم بغير طريق المفاوضات مع إسرائيل، مما يكسر المبدأ القائل إن السبيل الوحيد لحل النزاع يمر بالمفاوضات بين الطرفين".

وفي سبيل تعزيز مقولاتهم، يدعي الإسرائيليون أن هناك معارضة داخلية في السلطة الفلسطينية للخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة، ولاسيما من جانب رئيس الوزراء سلام فياض، لأن كثيراً من الفلسطينيين يدركون أنهم في اليوم التالي للتصويت في الأمم المتحدة لن يروا شيئاً تغير على الأرض.

ومع أن هناك عشرات الشخصيات الإسرائيلية البارزة ناشدت زعماء العالم ودول أوروبا خاصة تأييد إعلان الاستقلال الفلسطيني، كما برزت دعوات إسرائيلية لعدم اعتراض هذه المسيرة، فإن الموقف الرسمي الإسرائيلي ظل يتعمد التهويل من مخاطر حصول الفلسطينيين على اعتراف أممي بدولة لهم.. وبالتوازي مع هذا، عُنيت إسرائيل بحيازة موافقة عالمية على تصفية مشكلة اللاجئين والاعتراف بالقدس كعاصمة أبدية إسرائيل. ومن غير المستبعد أن تضيف إسرائيل إلى "خيار الصد" محاولة جديدة على شكل "مبادرة"، لإغراء الفلسطينيين بالعودة إلى التفاوض والتخلي عن الأمم المتحدة، ولخفض الضغط السياسي على إسرائيل بدعوى إبداء استعدادها للتقدم في الحل.

أما عملياً فهناك منذ الآن قناعة عالمية راسخة بأن إسرائيل لن تقيم أي وزن لقرار الجمعية العامة، في حال صدوره، وسوف يتم إظهاره على أنه "نمر من ورق"، وخاصة في ظل الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل. ويكاد يجمع المعنيون الإسرائيليون على أن الخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة لن تغير الواقع الميداني؛ لأن السلطات الإسرائيلية تمتلك الأدوات التي لا تجعلها قادرة على منع تأسيس دولة فلسطينية فحسب، بل التطلع إلى "ضمان أن يعمل الفلسطينيون وفقاً للإملاءات الإسرائيلية"، بدءاً من التحكم بالجغرافية السياسية وبحركة الفلسطينيين، مروراً بمعاقبتهم مالياً بالامتناع عن دفع عائدات الضرائب للسلطة الفلسطينية، وانتهاء بمختلف أشكال القمع الأخرى.. إنها حالة مفترضة، لكن هناك ضرورة للتوقف عند حسابات أخرى تأخذ بعين الاعتبار الردود والمخاطر المترتبة على ذلك.

Share