التحدّي‮ ‬الصعب في‮ ‬ليبيا

  • 2 أبريل 2012

تشير المعارك القبَلية التي شهدتها سبها في جنوب ليبيا خلال الفترة الأخيرة، وأوقعت عشرات القتلى والجرحى، إلى عمق التحدّي الذي يواجه البلاد في مرحلة التحول التي تعيشها منذ إطاحة حكم معمر القذافي في أكتوبر 2011، وما يكتنف هذه المرحلة من صعوبات معقّدة على أكثر من مستوى. فبالإضافة إلى المواجهات القبَلية، وما تنطوي عليه من خطورة كبيرة، هناك مشكلة الميليشيات المسلّحة التي قاتلت نظام القذافي وما زالت تحتفظ بأسلحتها على الرّغم من الخطة التي أعلنتها الحكومة، وتهدف إلى دمج مقاتلي هذه الميليشيات في أجهزة الأمن والجيش، وهناك الأزمة التي أثارها إعلان إقامة إقليم حكم ذاتيّ في برقة في شرق البلاد مؤخراً، وما سبّبه ذلك ويسبّبه من خلافات وتوترات، يضاف إلى ذلك استحقاقات عملية إعادة الإعمار والبناء، ليس على المستوى المادّي فقط، وإنما، وهذا هو الأهم، على المستويات السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها أيضاً.

إن عمق التحدّيات التي تواجه ليبيا في المرحلة الانتقاليّة وخطورتها واتساعها تقتضي من القوى والتيارات المختلفة على الساحة الليبية توحيد الصفّ، وإدارة خلافاتها وتبايناتها في إطار وطنيّ، مهما كانت شدتها، أو مستوى التعقيد الذي تنطوي عليه، حتى يمكن للبلاد أن تعبر الفترة الانتقالية بسلام، ومن ثم تنتقل إلى عهد جديد من التنمية والاستقرار والتوافق الوطني.

على الرّغم من الجهود الضخمة التي تبذلها الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالرحيم الكيب، فإنها تحتاج، في أدائها دورها وتحمّلها المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها، إلى تعاون القوى الأخرى كلّها معها، ومساندتها لها بإخلاص وجدّية، لأن المهام المنوطة بها كبيرة، ويتعلق حاضر البلاد ومستقبلها بأدائها لها، لكن الأزمات المتفرّقة التي تشهدها الساحة الليبيّة من شأنها أن تستنزف جهد الحكومة، وتشتّت تركيزها، وهو ما سيؤثر بالسلب في قدرتها على الوفاء باستحقاقات المرحلة الانتقاليّة، وما تتطلبه من تعاون وتوافق حول الحاضر والمستقبل.

لا شكّ في أن الخلافات والتباينات في وجهات النظر هي سمة أساسية من سمات مراحل الانتقال في الدول المختلفة، ومن ثم فإنها ليست ظاهرة سلبية في حدّ ذاتها، ولكنها تتحول إلى مصدر للخطر إذا هددت الوحدة الإقليمية، أو نالت من النسيج الوطني، أو عرّضت استقرار الوطن وأمنه لتهديد حقيقي، وهذا هو مصدر القلق في ليبيا، خاصّة مع انتشار السلاح بكثرة، وعدم تحقيق خطة دمج مقاتلي الميليشيات في الجيش والشرطة أهدافها كلّها حتى الآن.

إن المرحلة التي تمرّ بها ليبيا الآن لا تقل أهمية وحساسية عن مرحلة الصراع ضد حكم القذافي، لأنها مرحلة إعادة البناء على المستويات كافّة، ولا يمكن أن يتم هذا البناء إلا في إطار من الاستقرار والتوافق القائم على الحوار والتعاون وإعلاء المصلحة الوطنيّة العليا.

Share