التحديات الجديدة التي تواجه الناتو

  • 14 سبتمبر 2011

ستخضع الانعكاسات متعددة الأوجه المترتبة على الدور الذي اضطلع به حلف شمال الأطلسي (ناتو) في المساعدة على إنهاء إحدى حقب الحكم في ليبيا (نظام القذافي) والغموض الذي قد يخلف ذلك، للتحليل لفترة طويلة قادمة. بيد أن عملية التحليل هذه ستظل منقوصة، إذا لم تركز على مجموعة من التحديات المترابطة، التي تصل بين ما قام به الناتو في ليبيا وأفغانستان وما لم يقم به من جهة، وما يُحتمل أن يكون لذلك من أثر على الناتو في المستقبل القريب من جهة أخرى.

ومن الأمور التي لا تحتاج إلى برهان أن أزمات الأمن والاستقرار والحكم والرفاهة المادية في أفغانستان وليبيا قد شكلت ضغطاً هائلاً على الناتو وأعضائه. وإن كانت أفغانستان تنطوي على كمٍّ أكبر وأكثر تعقيداً من التحديات مقارنةً بليبيا. ومن غير المفاجئ بالتالي، كما هو معروف، أن تسعى بريطانيا وفرنسا، وهما القوتان العسكريتان الأكبر والأقوى ضمن أعضاء الحلف الأوروبيين، إلى التعجيل بنهاية حضورهما ودورهما هناك.

وفي المقابل، فإن ليبيا ذات طبيعة مختلفة تمام الاختلاف. فهي جارٌ بحري لفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية الجنوبية. وهي بلد ضخم تكتسب موارده من الطاقة الهيدروكربونية أهمية كبرى في المرحلة الحالية بالنسبة إلى اقتصادات أوروبا المتضررة. وعلاوة على ذلك، فإن ليبيا، بكثافتها السكانية المحدودة ومساحتها الشاسعة وسواحلها الأطول والأقل استغلالاً من بين جميع الدول المتوسطية غرب قناة السويس، لديها إمكانات اقتصادية هائلة. ويضاف إلى ذلك أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت الأصول [أو الموجودات] الجيوسياسية الليبية في مراحل معينة ذات أهمية أكبر بكثير بالنسبة إلى حلف الناتو المجاور مقارنة بأفغانستان البعيدة جغرافياً.

وبغضّ النظر عن أي اعتبارات أخرى، فإن تدخُّل الناتو في ليبيا دفع كثيراً من المراقبين إلى إعادة النظر في بعض الآراء التي تعود إلى نهاية الحرب الباردة، ومفادها أن الوقت قد حان ربما لحلّ الناتو بعد أن نجح، منذ تأسيسه عام 1949، في هدف احتواء الاتحاد السوفيتي. بيد أن الأشهر القليلة الماضية أظهرت بوضوح أن فرنسا وبريطانيا، ومعهما الدانمارك وإيطاليا والنرويج والولايات المتحدة، لا تميلان إلى نعيْ المنظمة.

ومع ذلك، فإن تدخلات الناتو في كل من أفغانستان وليبيا والعراق أبرزت تحديين يَظلان من دون حل واضح في الأفق. أما التحدي الأول فهو لا يتعلق بالضبابية الملحوظة بشأن الشكل الذي ستكون عليه نهاية الصراعين الأوليين، بقدر ما يتعلق، ولاسيما في أفغانستان، بجدوى تنفيذ كثير من الخطط والإجراءات والبيانات غير المتسقة والمتناقضة للقادة المتعاقبين للقوة الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف). وأما التحدي الثاني فيتمثل في الأزمتين الاقتصادية والمالية في أمريكا وأوروبا.

أما فيما يخصّ آفاق وضع نهاية ناجحة وتحقيق انسحاب واسع النطاق للقوات الأجنبية من أفغانستان، فإنه ليس ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن تلك العملية أو محصلتها ستشبهان التنبؤات والتوقعات المتفائلة لقوة الناتو والقادة العسكريين الأجانب الآخرين على الأرض. ويبدو أن الضغوط والمطالب السياسية الداخلية المتصاعدة بشدة والمطالبة بسحب القوات المسلحة لدول الناتو من أفغانستان وليبيا ستأتي بنتائج أسرع مما كان يتوقع أو يعتقد الكثيرون. وبينما يواظب الناس من مختلف مشارب الحياة داخل دول الناتو وفيما بينها على طرح أسئلة تستعصي على الإجابة، فإن كثيرين في الأوساط الإعلامية يحاجّون بأنه من المناسب مواصلة التساؤل عن أسباب استمرار التواجد هناك وعن مداه وعن تكلفته.

وبالتوازي مع الدعم المتناقص ضمن دول الناتو لاستمرار التدخل في أفغانستان يأتي التحدي الثاني المشار إليه أعلاه، أي المال. وفي هذا الصدد، يجدر التركيز على الشؤون التمويلية في حالة أفغانستان (وكذلك العراق وليبيا). فهناك مثلاً مسألة كون الديون الأمريكية الحالية تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي بكامله، وهي أعلى نسبة تبلغها منذ عام 1947. وهذا أمر خطير. وعلاوة على ذلك، ما من شك في أن النمو الاقتصادي الضعيف في معظم أرجاء أوروبا، مصحوباً باتساع نطاق أزمة الديون والتحديات أمام إمكانية بقاء اليورو على المدى القصير، يشكل خطراً على الرفاهة المادية لدول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين كافة. ولهذه الأسباب، فإن المتشائمين والمتفائلين على حد سواء بشأن الآفاق المحتملة للأوضاع في أفغانستان وليبيا يتفقون على أن تكاليف هاتين الحربين فوق التصّور. فعلى سبيل المثال، أنفقت الولايات المتحدة 444 مليار دولار على الحرب في أفغانستان. وفي حال اعتماد الكونجرس مخصصات العام المالي 2012، فإن هذا الرقم سيقفز إلى 557 مليار دولار.

وليبيا أيضاً تستحق الدراسة من حيث الانعكاسات المحتملة لعمليات الناتو. فقد خشي قادة الناتو عموماً من أن تقع فظائع واسعة النطاق عبر المتوسط، وعلى بعد مئات معدودة من الأميال من أوروبا الغربية. كما توقّع المحللون الاقتصاديون والماليون أن تؤدي العقوبات الدولية الحتمية بهدف معاقبة ليبيا وعزلها، إذا لم يتم التدخل، إلى تقليص الإنتاج والصادرات النفطية الليبية وهو ما لن تتحمّله الاقتصادات الأوروبية المتعثرة. وتمثَّل عامل آخر في الحاجة الواضحة، التي ناصرها دعاة التقيد بالمبادئ الأخلاقية واحترام القيم الأساسية والكرامة الإنسانية، لمراعاة المطالب السياسية والإنسانية للكثير من المحتجين ضمن دول الناتو الذين يشاطرون الثوار الليبيين بإخلاص أهدافهم المعلنة.

بيد أن تدخل الناتو في ليبيا لم ينشأ عن موقف موحد. فقد كان هناك معارضون في صفوفه. واعترض مسؤولون في دول الحلف – خاصة ألمانيا وبولندا – صراحة على جدوى العمليات القتالية، وأبدوا تحفظاً على غياب أي اتفاق إلى الآن بشأن أهداف مهمة الحلف على المدى الطويل. والتزمت ألمانيا سياستها القديمة القائمة على تقييد العمليات العسكرية وحافظت على شهرتها من حيث الامتناع عن تأييد أي مهام عسكرية في أي مكان، ناهيك عن المشاركة فيها.

وفي الولايات المتحدة ألقى وزير الدفاع روبرت جيتس، قبل أن يترك منصبه، كلمة في مقر قيادة الناتو ببروكسيل حذر فيها الأعضاء من تراجع رغبة الولايات المتحدة في أن تكون الممول الرئيسي للحلف؛ حيث تشير السجلات إلى مدى تدنّي مساهمات الأوروبيين في أعباء الحلف المالية. وعلى مدى الأعوام العشرة الماضية، ارتفعت حصة الولايات المتحدة في نفقات الناتو من 50 إلى 75 في المائة. وللمقارنة، لا تنفق بريطانيا وفرنسا واليونان سوى ما نسبته 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع (مقابل 5% في الولايات المتحدة) فيما لا تتعدى هذه النسبة 1% لدى ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد أوروبي.

إن هواجس هؤلاء الخبراء الاستراتيجيين ليست بالشيء الهين. فالاستراتيجيون الأمريكيون يراهنون على أنه في حال موافقة العديد من دول الناتو الأوروبية على زيادة حصصها في نفقات الحلف، فسيكون لتلك الدول الحق في المطالبة بزيادة دورها في عملية صنع القرار على مستوى الحلف مما سيقلص من هيمنة الولايات المتحدة، وهنا تكمن الإشكالية.

وعلاوة على ذلك، فإنه ليس ثمة ضمان بأن تؤتي الحملة الليبية ثمارها بعد إزالة القذافي. ولعل في مقتل القادة الليبيين البارزين مثالاً على كون جماعات المعارضة الليبية منقسمة على أسس قبلية وأيديولوجية، وهو ما يثير مخاوف بشأن النتيجة التي كثيراً ما تعقب انهيار الحكومات أو انحسار فعاليتها بدرجة كبيرة، إذ تبقى هناك خشية من احتمال نشوب حرب أهلية عنيفة وممتدة.

ولعل هذا، أي استكشاف إمكانية منع مثل تلك النتيجة الكارثية، هو ما دعا ممثلي نحو 60 دولة إلى الاجتماع في باريس أوائل شهر أيلول/سبتمبر لمناقشة الخيارات المتاحة والتداول بشأنها. وفي ضوء هذه الخلفية، فإن من اللافت للانتباه أن تتمكن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية – بعد عقد من الصراع المسلح المنهِك في العراق وأفغانستان وفي خضم فيض من المحن الاقتصادية، من حشد الإرادة الدولية والوسائل اللازمة للقتال في ليبيا. ويعطي ذلك فكرة مهمة عن الشعبية التي يحظى بها الناتو في أوروبا وعن استمرار قدرة الولايات المتحدة على قيادة المنظمة. ولكن ما يزال الوقت مبكراً للجزم فيما إذا كان ذلك سيشكل نعمة أم نقمة على الشعبين في ليبيا وأفغانستان.

Share