التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي

التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي

  • 25 يونيو 2009

بعد هبوط مؤشرات البورصات العالمية إلى مستويات متدنية لم يسبق لها مثيل في أوائل مارس 2009، قفزت بطريقة درامية منذئذٍ وحتى منتصف يونيو. ومن ثم، تصاعدت الآمال من جديد بحدوث انتعاش اقتصادي واسع بنهاية هذا العام، أَو مع بداية العام القادم (2010). فعلى سبيل المثال، بعد هبوطه إلى أدنى مستوياته خلال 12 سنة، في 9 مارس/آذار2009، ارتفع مؤشر ستاندر آند بورز، الذي يقيس أداء أكثر 500 شركة نشاطاً، بنسبة مدهشة بلغت 40 % بحلول منتصف يونيو/حزيران.

وعليه، لم يكن مستغرباً أن يتحدث بن برنانكي، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في مقابلته مع برنامج "60 دقيقة"، على شبكة CBS، في 14 مارس/آذار 2009، عن ظهور دلائل إيجابية تشير إلى قرب التعافي الاقتصادي، الأمر الذي شرحه لاحقاً، بقوله: "لقد لاحظنا مؤخراً مؤشرات أولية على أنّ التراجع الحاد في النشاط الاقتصادي بدأ ينحسر. إذ إن أحدث البيانات عن الإسكان وإنفاق المستهلكين، بما في ذلك مبيعات السيارات الجديدة، تشير إلى انحسار الانكماش". وفي شهادته حول وضع الاقتصاد أمام مجلس النواب الأمريكي، في أوائل يوليو الجاري، أكد بن برنانكي مجدداً أن مرحلة الانكماش في الاقتصاد الأمريكي بدأت تنحسر، وأصر على موقفه السابق بأن الاقتصاد سيعاود الانتعاش في الأشهر الأخيرة من العام الحالي، ولكن ذلك "سيتم بصورة تدريجية"، يتخللها بعض المظاهر السلبية، مثل استمرار ارتفاع البطالة.

ومع ذلك، فقد ظلت الشكوك تساور العديد من الاقتصاديين والمستثمرين حول كل الادعاءات المتعلقة بقرب حدوث انتعاش اقتصادي. ويشك هؤلاء في عودة الوضع الاقتصادي إلى حالته الطبيعية في أي وقت قريب، بل يجزمون بأن العالم كان يشهد مجرّد استجماع قوة في سوق هابطة، مما يُذكر بمثل "قفزة القطة الميتة"، والذي دعمته الحكومات حول العالم بطباعة كميات هائلة من النقود، بصورة لم يسبق لها مثيل. وينتمي العديد من الأسماء البارزة إلى مدرسة أولئك المشكّكين، بما في ذلك الاقتصادي جوزيف ستجليتس، الحائز على جائزة نوبل، وأساتذة الاقتصاد المرموقين في جامعة نيويورك، مثل البروفسور نورييل روبيني وروبرت شيلر، وخبير التمويل الرياضي ومخترع المشتقات المالية المعقدة، نسيم نيقولا طالب، والمستثمران الأسطوريان، جيم روجرز ومارك فايبر.

وفي الحقيقة، يؤكد هؤلاء الخبراء أنّ التحسن الأخير في مؤشرات البورصات حول العالم هو مجرد تحسّن عرضي لأزمة اقتصادية مستمرة؛ فمثل تلك الارتفاعات المفاجئة كانت تظهر بصورة متكررة في المؤشرات الاقتصادية أثناء فترة الكساد العظيم في ثلاثينات القرن المنصرم، والأزمة الاقتصادية الآسيوية في التسعينيات. كما يجزمون أنه بالرغم من أن الحكومات حول العالم قد تفادت "الانهيار التام" للنظام المالي العالمي، ومنعت اقتصاداتها من السقوط في كساد اقتصادي، فإن العالم لا يزال يواجه سنوات من النمو البطيء، وانتكاسة محتملة قد تسببها كوارث مالية واقتصادية غير متوقّعة. ووفقاً لنسيم نيقولا طالب، فإن حادثة "بجعة سوداء" غير متوقّعة ما تزال قادرة على أن تفجّر أزمة كبرى في النظام المالي والاقتصادي العالمي.

وعلى الجانب الآخر، فإن عدداً كبيراً من الاقتصاديين والمستثمرين، مثل الاقتصادي بول كروغمان، الحائز على جائزة نوبل، والمستثمر الأسطوري جورج سوروس يعتقدان أنّ أسوأ ما في الأزمة الاقتصادية قد انتهى تماماً. ويبدو أن بعض الاقتصاديين يشعرون بالارتياح من التدخّلات الحكومية الكبيرة وغير المسبوقة، والارتفاع الملحوظ في ثقة المستهلك، والزيادة الطفيفة في أرقام مبيعات المنازل الأمريكية ، والتيسير النسبي فيما يتعلق بتجميد الائتمان.

ومع ذلك، فقد تعرض هذا التفاؤل إلى انتكاسة عندما هبطت مؤشرات البورصات العالمية هبوطاً حادّاً في النصف الأخير من يونيو/حزيران 2009؛ مما زاد المخاوف على كيفية تمويل عجز الميزانية المتنامي، والذي أدى إلى انخفاض قيمة الدولار الأمريكي. وقد تفاقمت هذه المخاوف بصورة أكثر بعد صدور تقرير البنك الدولي المعنون: "تطوير التمويل العالمي: خريطة انتعاش عالمي." يتوقع هذا التقرير أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.9 % في عام 2009، وبأن يهبط حجم التجارة الدولية هبوطاً هو الأشد من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية، وأن تواجه البلدان منخفضة الدّخل مشكلات اقتصادية خطيرة جداً وتباطؤاً كبيراً للغاية إذا لم يحدث تحسن كبير في تدفقات رؤوس الأموال إليها، التي كانت ركيزة أساسية لمساندة الأداء القوي في هذه الدول على مدى السنوات الخمس الأخيرة.

ومن أجل التوصل إلى فهم كامل لفداحة الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، من المهم أن نستقرئ أسبابها الأساسية. وفي الحقيقة، فإن الأزمة الحالية ليست نتيجة مرحلة هبوط دورية، في الأسواق المالية، وإنما هي نتيجة اختلالات هيكلية رئيسية في الاقتصاد العالمي، تراكمت خلال عقود عدّة، تتعلق بالديون المفرطة، والنظام المالي العالمي، وكذلك التجارة والإنتاج الدوليين. فأولاً، تعد الديون المفرطة إحدى القضايا الرئيسية، التي تقع في قلب الضائقة الاقتصادية الحالية. فوفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي، والذي نشر في 9 يونيو/حزيران 2009، فإن حجم الدين العام الأمريكي يبلغ 87 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009، ومن المتوقع أن يرتفع إلى نحو 97 % بحلول عام 2010. ومن المهم هنا أن نلاحظ بأنّ هذه البيانات تتعلق بالدين الحكومي فقط، فيما يبلغ الدين الكليّ لسوق الائتمان، عند إضافته إلى المسؤوليات غير المموّلة، وفقاً لبعض التقديرات غير الرسمية، نحو 700% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. ولكن الولايات المتّحدة ليست الدولة الوحيدة التي تورطت في مثل هذه الكميات الفلكية من الديون. فوفقاً للصندوق، فإن الديون العامة "الحكومية" للدول المتقدمة الأعضاء في مجموعة العشرين تبلغ نحو 97.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009، ومن المتوقع أن تصل إلى 106.4%، بحلول عام 2010. وفي الواقع، فإنّ اقتصادات عدّة دول أوروبية تتأرجح على الحافة؛ لأن حجم ديونها الفلكية تُهدّد بتفجير أزمة كبيرة، وخصوصاً في دول أوروبا الشرقية. في هذا الخصوص، حذّر البنك الدولي بأنّ حوالي 1.2 تريليون دولار من الديون الخارجية تواصل صعودها في دول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وغيرهما. ومن الضّروري أن يُعاد تمويل هذه الديون، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى إجهاد اقتصادات هذه الدول، وكذلك البنوك الغربية التي تتعامل معها.

علاوة على ذلك، فإن حالة النظام المالي العالمي لا تزال سبباً رئيسياً للقلق، لأن خطر الإفلاس ما يزال يواجه مصارف ومؤسسات مالية عالمية عدة. ووفقاً لتقرير الاستقرار المالي العالمي نصف السنوي، الذي أصدره صندوق النقد الدولي في 21 أبريل/نيسان 2009، فإن التخفيضات في قيم الأصول الناشئة في الولايات المتحدة قد ازدادت من 202 تريليون دولار، في يناير 2009، إلى 207 تريليون دولار في الوقت الراهن؛ مما يرجع في معظمه إلى ازدياد سوء السيناريو الأساسي المتوقع للنمو الاقتصادي. فإذا أضفنا إلى ذلك تقديرات تخفيض الأصول الناشئة في الأسواق الناضجة، فإن مجموع التخفيضات في قيم الأصول من المتوقع أن تصل إلى نحو 4 تريليون دولار، تتحمل البنوك ثلثيها تقريباً. على ضوء هذا السيناريو الخطير، فإن الطريقة التي اتبعتها المصارف العالمية لتموين نفسها أو للاحتياط المسبق لمواجهة هذه الخسائر، والتي قد تزداد سوءاً، يظل مجرد سؤال مفتوح. دون الحديث عن أن فقاعة المشتقات المالية، والتي تجاوزت 550 تريليون دولار أمريكي (نحو 9 مرات الناتج المحلي الإجمالي العالمي)، والتي تثقل كاهل المؤسسات المالية الغربية، والتي يعتبرها وارن بوفيت ـ ثاني أغنياء العالم، وأفضل مستثمر عرفته الأسواق الأمريكيةـ "أسلحة دمار شامل مالية"، يمكنها أن تدمّر الاقتصاد العالمي عندما تنفجر.

يوجد هناك أيضاً عدة اختلالات رئيسية أخرى في التجارة والإنتاج العالمين، والتي قد تستغرق وقتاً طويلاً لمعالجتها. في هذا الخصوص، يلاحظ أنّ إنفاق المستهلكين في الولايات المتّحدة يصل إلى 70% من إجمالي النشاط الاقتصادي الأمريكي، وإلى سدس النشاط الاقتصادي في العالم أجمع. ولكن السوق الأمريكية الضخمة عانت من وطأة الأزمة الاقتصادية الحالية، ما أدى إلى هبوط الاستهلاك الأمريكي بصورة حادة إلى حوالي 41 % بالمقارنة مع العام السابق. ولأن العائلات الأمريكية تختبر الآن عملية تسديد ديونهم للمصارف وزيادة مدّخراتهم، فإن الطلب على السلع والخدمات قد هبط هبوطاً حاداً، ولا يبدو أن أية زيادة ذات أهمية ملحوظة في الاستهلاك تلوح في الأفق قريباً. وبالمثل، فعلى الرغم من أن أسواق العقارات الأمريكية والأوروبية قد أظهرت بعض مؤشرات التحسن، إلاّ أن ثمة مشكلات هامّة لا تزال موجودة. ويتوقّع الاقتصادي البارز روبرت شيلير بأنّ أسعار العقارات قد تواصل هبوطها لسنوات قادمة، كما حدث في اليابان بعد انهيار فقاعة العقارات هناك في التسعينيات.

إنّ عدم القدرة على سداد القروض في "خيار أ.ر.م" "Option ARM Loans" (الذي يقدم أسعار فائدة منخفضة جداً في السنوات القليلة الأولى، ومن ثمّ تعود لترتفع بنسبة أعلى بكثير)، وانهيار سوق العقارات التجارية (والتي تشمل المكاتب والمراكز التجارية والمعارض والمحلات)، وحبس الرهون بصورة متزايدة في القطاع السكني الفاخر تعتبر كلّها تطوّرات مقلقة، ويمكن أن تقترب من إعادة سيناريو الرهون العقارية من الدرجة الثانية. بالإضافة إلى ذلك، فإن العدد المتزايد للعاطلين عن العمل، والتخلف عن دفع ديون بطاقات الائتمان، والنمو النقدي المفرط، والهبوط الكبير في عائدات الضريبة، وزيادة الاتجاهات الحمائية، وإمكانية انهيار أسواق السندات، وتخفيض العملات والأزمات الاقتصادية-الاجتماعية والجيوبوليتيكية الرئيسية، كل ذلك يزيد من حالة عدم اليقين التي تسيطر على المشهد المالي والاقتصادي العالمي.

وربما يكون ملائماً أن نختم بملاحظات جان كلود تريشيه، رئيس المصرف المركزي الأوروبي: "نحن ما زلنا في حالة كساد اقتصادي، وهي الأعمق عالمياً منذ الحرب العالمية الثانية. وفيما تبدو هناك إشارات أولية بأن معدل الضعف الاقتصادي يتباطأ، يجب أن نبقى في حالة يقظة. فنحن نسبح في مياه مجهولة".

Share