التجنيد الإلزامي‮" ‬ومتطلّبات التنمية"

  • 1 فبراير 2011

توصف المؤسسات العسكرية دوماً بأنها مصانع الرجال، حيث تحظى بإمكاناتها وقدراتها وكوادرها البشرية، بمكانة بارزة ليس على صعيد التدريب والتأهيل العسكري فقط، ولكن من حيث مقدرتها على تكريس مفاهيم الولاء والانتماء إلى الوطن أيضاً، وتعزيز قيم إنسانية إيجابية لدى عناصرها مثل الصبر والاعتماد على الذات وتحمّل المسؤولية والشجاعة، وتعميق التلاحم بين أبناء الوطن؛ ولذا فإن الانخراط في السلك العسكري، ولو لفترة مؤقتة، يُعدّ مدخلاً حيوياً لمستقبل أفضل لكل مَنْ يلتحق به، إذ لم تعد خطط التدريب مرادفة للتأهيل العسكري وإجادة التعاطي مع أحدث المعدات فقط، بل تعني ضمان التطوّر الثقافي والفكري والمهني كذلك.

وقد يمثّل نظام "التجنيد الإلزامي"، الذي تأخذ به الكثير من دول العالم، حجر الأساس في رفد الجيوش بما تحتاج إليه من عناصر بشرية قادرة على ترجمة فلسفة هذه المؤسسات الوطنية إلى واقع عملي يصبّ في مصلحة خطط التنمية الشاملة، فـ"التجنيد الإلزامي" لا يعني معسكرات للتدريب فقط، بل هو في الأساس تنشئة اجتماعية ثقافية قادرة على بناء الشخصية وتعزيز ركائزها وتمتينها، وهو نظام يطبّق في معظم دول العالم بشكل أو بآخر، حتى الدول المعروفة بتوجّهاتها السلميّة التامّة، هناك نظام تعبئة وتجنيد قادر على تعبئة قوة عسكرية معتبرة في وقت وجيز.

من المؤكّد أن نظام "التجنيد الإلزامي" ينطوي على إيجابيات كثيرة يصعب حصرها، بل ولا مبالغة في القول إن هذا النظام ربما يكون حلاً للكثير من أوجه المعاناة الناجمة عن السلوكيات السلبية لشريحة من الشباب في أي دولة، بل وتحويل أصحاب هذه السلوكيات إلى طاقات إنتاجية تحتاج إليها الدول في التنمية، علماً بأن الالتحاق بخدمة الأوطان ربما لا يكون مطلقاً خصماً من مسيرة التأهيل المهني أو العلمي، ولا سبباً في التأخّر عن التحاق الفرد بركب العلم والعمل، بل هي إضافة نوعيّة إلى هذه المسيرة وتعزيز لقدراته الذاتية سواء لجهة كسب مهارات نوعية أو لجهة تحمّل المسؤولية، بحيث يكون رقماً فاعلاً في مجتمعات يفترض أنها بحاجة إلى طاقات أبنائها كافة.

يخطئ مَنْ يظن أن نظام "التجنيد الإلزامي" لا ينطوي على مردود ذي قيمة نوعية لخطط التنمية الشاملة في الدول، فـ "التجنيد الإلزامي" ليس وسيلة للتدريب العسكري فقط، فهناك نسبة لا بأس بها من الشباب تحتاج إلى تأهيل وتدريب مهني احترافي متقدّم كي تلتحق بسوق العمل بقواعدها التنافسية، وهذا التدريب يتمّ وفق خطط مدروسة في كثير من الدول خلال فترات "التجنيد الإلزامي"، فالحديث عن تأهيل الفرد المقاتل الحديث لم يعد محصوراً في نطاق التدريب القتالي في ظل المهام التي باتت ضمن أولويات الجيوش الحديثة مثل حفظ السلام والإغاثة الإنسانية وما يتخلّل ذلك من تنفيذ لخطط تقنية مثل الإسهام في تنفيذ البنى التحتية وشقّ الطرق وغير ذلك من مهام إنسانية تقتضي ضرورة إكساب الفرد مهارات الاتصال والتواصل البشري والتفاعل مع الآخرين.

"التجنيد الإلزامي" تجربة ثريّة من حيث تطوير الذات وتقوية الإرادة وتعزيز روح المواطنة والولاء والانتماء وتعزيز الهوية الثقافية الوطنية، وبناء الشخصية القادرة على حماية الأوطان وإدراك مفهوم المواطنة الحقيقية، فثقافة الدفاع عن الأوطان لا تعني كسب المهارات القتالية فقط، بل هي مفهوم متكامل قائم على استيعاب قيم المواطنة وإدراك منظومة الحقوق والواجبات المجتمعية، كي يمكن الحديث عن عنصر بشري فاعل في محيطه وبيئته أيضاً.

Share