التجربة التنموية لدول مجلس التعاون الخليجي

  • 17 أبريل 2011

تحلّ بعد أيام قليلة الذكرى الـ30 لتأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والذي أعلن عنه في العاصمة الإماراتية أبوظبي في شهر مايو من عام 1981، وتشكل التجربة التنموية الخليجية أحد أهم مكونات التعاون الخليجي خلال العقود الثلاثة الماضية؛ الأمر الذي يتطلب إلقاء الضوء على بعض جوانبها ذات الأبعاد التنموية والاستراتيجية.

إذا ما تتبعنا التجارب التنموية في البلدان النامية على مدى ستين عاماً، يمكننا بسهولة ملاحظة أن هناك تنوعاً في هذه التجارب، فقد قفزت بعض الدول بتجربتها الناجحة إلى مصاف البلدان المتقدمة، واكتسحت منتجاتها بلدان العالم المختلفة، بما في ذلك البلدان الصناعية، وانتقلت بلدان أخرى من مؤخرة الصفوف في مستويات التنمية البشرية إلى مقدمة هذه الصفوف في فترة زمنية قصيرة نسبياً، في الوقت الذي فوتت بلدان نامية أخرى على نفسها عقوداً من الفرص الضائعة لتبقى في ذيل قائمة البلدان التي لا زالت تعاني من الفقر والتخلف.

وبالإضافة إلى تجربة النمور الآسيوية والصين والهند والبرازيل، تقف تجربة دول مجلس التعاون الخليجي لتشكل نموذجاً تنموياً لا يشبه غيره من النماذج التنموية في العالم؛ حيث تتميز التجربة الخليجية بخصوصيتها التي تحمل في طياتها جوانب تاريخية وموضوعية عديدة. فمنذ البداية واجهت عملية التنمية الخليجية تحديات كبيرة، فعلى الرغم من تدفق عائدات النفط وتراكم رؤوس الأموال، فإن هذه البلدان كانت تعاني من نقص كبير في الأيدي العاملة المدربة وفي البنية التحتية، الأمر الذي أوجد تناقضاً بين مكونات عناصر الإنتاج استطاعت دول المجلس التغلب عليها بسياسات اقتصادية مرنة شكلت أحد أهم خصوصيات التجربة الخليجية.

وفي هذا السياق استخدمت عائدات النفط بصورة مكثفة جداً في تطوير البنية التحتية بشقيها الصلب والناعم، حيث تمت إقامة محطات الكهرباء والماء، وإنشاء المطارات والمواني الحديثة، وجرى ربطها بمواقع الإنتاج بطرق ووسائل نقل ذات مواصفات عالية، كما أقيمت مئات المدارس والمستشفيات والمعاهد والجامعات التي لم تعرفها دول المجلس قبل خمسين عاماً. وشكل ذلك دعوة غير مباشرة لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية للاستثمار في دول مجلس التعاون بمختلف المشاريع التنموية، كما ساهمت شركات النفط القادمة من وراء البحار في إقامة البنى التحتية الخاصة بها، بما في ذلك البنى التحتية الناعمة، من مدارس ومعاهد ومستشفيات، والتي شكلت فيما بعد جزءا مهماً من البنى التحية في دول المجلس.

ويبدو أن دول المجلس أدركت في بداية نموها أن عملية التنمية لا يمكن أن تحقق الأهداف المرجوة في ظل النقص الحاد في مكونات البنية الأساسية، وهو ما لم تنتبه إليه العديد من البلدان النامية، بما فيها بعض البلدان العربية المنتجة للنفط والتي ظلت بنيتها التحية تعاني من صعوبات ولا تلبي متطلباتها التنموية.

وفي جانب آخر، واجهت دول المجلس مع تدفق عائدات النفط نقصاً آخر تمثل في قلة الأيدي  العاملة المحلية، وبالأخص في مجال المهارات الفنية والمهنية، وهو ما هدد عملية التنمية بشكل عام، إلا أن هذه المعضلة حلت من خلال استقدام ملايين من الأيدي العاملة الأجنبية التي ساهمت مساهمة فعالة في تنفيذ برامج التنمية الخليجية.

ومع أن استقدام هذه الأعداد الهائلة من العاملين قد أفرز تعقيدات أخرى تتعلق بالتركيبة السكانية والخلل الديمغرافي، إلا أنه زود المجتمعات الخليجية بأحد أهم مكونات عناصر الإنتاج وأوجد تناسباً بين متطلبات التنمية والتركيبة المجتمعية، بما في ذلك تلبية الاحتياجات المتزايدة من الأيدي العاملة.

لقد أوجد مثل هذا التوجه تكاملاً بين رؤوس الأموال المتدفقة من عائدات النفط والحاجة المتنامية إلى البنى التحتية والمهارات من الأيدي العاملة التي توافدت من مختلف بلدان العالم، وهذا ما فتح الطريق أمام إحداث نقلات تنموية شاملة وسريعة.

ونتيجة لذلك برزت في العقود القليلة الماضية عشرات المشاريع التنموية الحيوية وتحولت دول المجلس إلى مركز لبعض الصناعات الحديثة، ونقطة ارتكاز أساسية للنقل والتجارة في العالم، وإلى مركز مالي مهم، ما ساهم في تنويع القاعدة الإنتاجية، وزيادة الدخل وارتفاع مستويات المعيشة.

وإذا كانت مساهمة الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس لم تتجاوز 25% من الناتج المحلي الإجمالي للبلدان العربية في بداية السبعينيات، فإن الاقتصاد الخليجي شكل في عام 2010 أكثر من 50% من الناتج الإجمالي للبلدان العربية، في الوقت الذي لا يزيد فيه سكان دول مجلس التعاون عن 12% من مجموع سكان العالم العربي.

وإلى جانب السياسات الاقتصادية لكل دولة والتي ساهمت وفق مرئياتها وسياساتها في تقدمها الاقتصادي والاجتماعي، فقد شكل قيام مجلس التعاون قبل ثلاثة عقود وما تلاه من إقرار للعديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي، كالاتفاقية الاقتصادية الموحدة واستراتيجية التنمية الصناعية والاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة، عاملاً مهماً في زيادة معدلات النمو الاقتصادي وإيجاد فرص كثيرة لتنويع مصادر الدخل في دول المجلس.

وإذا ما استكملت أوجه التكامل الاقتصادي في سنوات العقد الحالي، بما في ذلك إصدار عملة خليجية موحدة بمشاركة كافة البلدان الأعضاء في المجلس، وتم توحيد التشريعات والقوانين الاقتصادية، فإن دول المجلس سوف تنتقل إلى مرحلة متقدمة من النمو الاقتصادي ستتيح تحول الاقتصاد الخليجي إلى واحد من أهم الاقتصادات العالمية التي ستحدد مسار الاقتصاد العالمي في القرن الحالي.

ولا تتمثل هذه الأهمية في حجم إنتاج دول المجلس من النفط والغاز فحسب، فهي كانت حاضرة على مدى الخمسين عاماً الماضية، بل ستصبح العملة الخليجية الموحدة عملة احتياط عالمية إلى جانب العملات الرئيسية الأخرى، كالدولار واليورو، في حين ستصبح دول المجلس ببنيتها المتطورة مركزاً تجارياً ومالياً رئيسياً، في الوقت الذي ستشكل فيه البلدان الست مجتمعة موقعا لوجستياً لا غنى عنه لخطوط الاتصالات والمواصلات بكافة أنواعها.

وضمن عملية التنوع الاقتصادي سيصبح العالم أكثر اعتمادا على دول المجلس في التزود باحتياجاته من السلع المعتمدة على الطاقة، وبالأخص المنتجات البتروكيماوية، حيث يتوقع أن تفتح المزيد من الفرص الاستثمارية أمام القطاع الخاص الخليجي والأجنبي للاستثمار في هذا القطاع الصناعي الواعد.

من هنا تنبع الأهمية الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية للتجمع الخليجي، والذي أصبح بتجربته التنموية يمثل نموذجاً ليس للبلدان العربية فحسب، وإنما لبلدان العالم النامي بشكل عام، والتي شهدت في السابق تجارب مماثلة لم يحالفها الحظ في النجاح والتقدم.

ولا ندعي هنا أن الأمور في التجمع الخليجي تسير دون عوائق وبالسرعة المطلوبة، لكن دول المجلس أثبتت في السابق قدرتها على تجاوز الصعوبات التي تواجهها بين فينة وأخرى، وتعمل على تذليلها بما يخدم مصالحها المشتركة؛ حيث تزداد القناعة مع مرور الوقت على المستويين الرسمي والشعبي بضرورة تطوير التكتل الخليجي للمستوى الذي بلغه الاتحاد الأوروبي، ولاسيما أن التجمع الخليجي يملك الأسس اللازمة لمثل هذا التحول.

وبالإضافة إلى التطورات المرتقبة في التكامل الاقتصادي الخليجي، فإن الإنجازات التي تمت حتى الآن، والتي نقلت دول المجلس لتصبح في مقدمة البلدان التي تساهم حالياً في إعادة الانتعاش للاقتصاد العالمي وفق تقارير المنظمات الدولية، تؤكد أن دول المجلس تسير بثبات في تدعيم مكانتها الاقتصادية العالمية، وبالتالي فإن حماية هذه المكتسبات أصبحت بدورها ضرورة موضوعية في ظل الأوضاع غير المستقرة في منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم بشكل عام.

إن تعميق هذه الإنجازات لا بد أن يسير جنباً إلى جنب مع حمايتها، خصوصاً أن هذا التقدم الاقتصادي الخليجي يتم في منطقة معروفة ببطء برامجها التنموية ونموها الاقتصادي لأسباب كثيرة، ما يفرض إلقاء مزيد من الأضواء على التجربة الخليجية التي ستكتسب المزيد من الأهمية في المستقبل القريب.

Share