التجاذبات الداخلية الإسرائيلية بشأن المفاوضات مع سورية

إبراهيم عبدالكريم: التجاذبات الداخلية الإسرائيلية بشأن المفاوضات مع سورية

  • 14 يوليو 2008

منذ الإعلان عن شروع سورية وإسرائيل بمحادثات غير مباشرة، تحت رعاية تركية في الأسبوع الثالث من مايو/أيار الماضي، اتخذت ردود الفعل الداخلية الإسرائيلية مساراً يعبّر عن حالة الاستقطاب التي تعيشها الساحة السياسية، مع طغيان واضح للتوجهات اليمينية المتشددة بشأن رفض الانسحاب من الجولان.

وكان واضحاً في ذهن أولمرت، طبقاً لتصريحاته المتعاقبة، أن المحادثات مع سورية يمكن أن تنطلق من إغراء سورية بعبارة؛ "إن السوريين يعرفون ما أريده منهم، وأنا أعرف جيداً ما يريدون منا"، وهي عبارة توحي بإمكانية تأويلها على أنها موافقة إسرائيلية أولية على الانسحاب من الجولان، مقابل السلام الكامل مع سورية. وفيما كانت سورية تُعنى باستئناف الاتصالات من النقطة التي توقفت عندها، مع تعهد إسرائيلي بانسحاب كامل من هضبة الجولان، فقد عنيت إسرائيل بإجراء المحادثات من نقطة الصفر، على الرغم من اعتراف أولمرت أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بأن أربعة رؤساء وزراء قبله أداروا مفاوضات مع سورية، وتعهدوا بتنازلات أليمة.

ويبدو من رصد تصريحات أولمرت، أنه كان يعمل في اتجاه محاولة عزل سورية عما يسمى "المحور الراديكالي" الذي تقوده إيران، وظل يكرر في المشاورات التي يجريها مع معاونيه وخبراء إسرائيليين في الشأن السوري من الأكاديميين وجهاز الأمن، تأكيده وضع بديل آخر أمام سورية، مشيراً إلى أن أحداً لم يطرح أمام سورية مؤخراً أي خيار، باستثناء عزلها دولياً، وهذا الأمر حفزها على توطيد علاقاتها مع إيران وحزب الله والفصائل الفلسطينية المتشددة، أما إذا طرحت إسرائيل أمامها بديل السلام، فيمكن لسورية أن تتخذ وجهة استراتيجية جديدة.

وعلى الرغم من رأي أولمرت بأن عملية التفاوض مع سورية قد تستغرق وقتاً طويلاً، وقد تنتقل إلى مسؤولية حكومة إسرائيلية أخرى، إلا أنه أعطى أهمية كبيرة لما يسمى "عملية تحديد التوجه" في العلاقات بين إسرائيل وسورية. ولوحظ أن أولمرت لم يتبن شرط انفصال سورية عن إيران وحزب الله و"حماس" لإجراء المفاوضات، مما يعني إدراكه أن سورية لن توافق على هذا الانفصال، لكنه مع ذلك يأمل، حسبما أعلن أكثر من مرة، بأن أمراً كهذا سيحدث بمرور الوقت. وتتضمن الخلاصة التي بلورها أولمرت؛ اعتقاده أن الشرق الأوسط كله سيشعر بانطلاق المفاوضات الإسرائيلية-السورية، بداية بسبب التأثير السلبي الذي سينعكس على إيران، وتالياً؛ لأن هذه العملية ستنعكس على دول عربية أخرى كثيرة.

وحين أخذت المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسورية تحتل عناوين بارزة في الأخبار، تكاثرت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الرافضة للانسحاب من الجولان، وأبرزهم شاؤول موفاز، وزير المواصلات ونائب رئيس الحكومة والمسؤول عن الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، الذي اختار إطلاق تصريحاته في منطقة الجولان المحتلة خلال زيارته إليها يوم 3/6، معتبراً أن "هضبة الجولان هي أرض إسرائيلية، وأن التنازل عنها لسورية يعني انتشار الإيرانيين فيها"، مبيناً أن "أهمية المحادثات مع سورية الغارقة في الإرهاب تكمن في مجرد إجرائها"، وأن صيغته للسلام مع سورية هي "السلام مقابل السلام". وعرض موفاز على المستوطنين هناك "خطة تنمية لهضبة الجولان لمدة خمس سنوات".. ولدى تحليل بعض جوانب هذا الموقف الصقري، يُلاحظ أن موفاز يسعى إلى توطيد علاقاته مع اليمين الإسرائيلي وتعزيز فرصته لخلافة أولمرت في منصبه، في حال استقالته على خلفية قضية "مغلفات الأموال" التي حصل عليها من رجل الأعمال اليهودي الأميركي تالانسكي، في ظل إدراك موفاز أن نحو نصف أعضاء كتلة "كديما" في الكنيست أعربوا عن معارضتهم للانسحاب من الجولان.

أما تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية والقائمة بأعمال رئيس الحكومة، فحددت أفق الحل السياسي مع السوريين، عبر تصريحات عدة، كان منها، بعد يوم واحد من الإعلان عن المسار التفاوضي غير المباشر، أن السلام مع سورية منوط بتخليها عن علاقاتها مع إيران وحزب الله و"حماس". وبذلك أعلنت ليفني ما فضّل أولمرت تجاهله في مرحلة بدء المفاوضات غير المباشرة. وهو ما يشير إلى استمرار حالة التمسك بالشرط الإسرائيلي التقليدي، كمرشد على المسار التفاوضي.  

وفي حزب "العمل"، وصف رئيس الحزب ووزير الدفاع إيهود باراك، خلال تدريبات أجراها الجيش الإسرائيلي في الجولان، المنطقة بأنها "جزء من دولة إسرائيل". وفي إحدى جلسات الحكومة أكد باراك أن "إسرائيل معنية بإخراج سورية من دائرة المواجهة". ولكنه شن هجوماً على القيادة السورية، مدعياً أن المفاوضات ليست على رأس سلم أولوياتها. وبعد مداولات حزبية وحكومية، استشف باراك، على ما يبدو، أن عليه أن يتخذ موقفاً وسطياً، فاعتبر أن نجاح المفاوضات مع سورية منوط بتنازلات مؤلمة من الطرفين، دون أن يحدد طبيعة هذه التنازلات. ثم طور موقفه مصرحاً بأن "على إسرائيل أن تكون مستعدة في الوقت المناسب لدراسة إنهاء سيطرتها على الجولان". وبذلك اقترب باراك من المواقف التقليدية لأبرز قادة حزب "العمل" الذين يعتقدون أن الانسحاب من الجولان يعدّ ثمناً مقبولاً للسلام مع سورية، الذي سيقلب بتقديرهم الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط؛ لأنه سيعزل إيران ويسكت حزب الله، ويحاصر منظمات المقاومة الفلسطينية.

وفي أوساط "اليسار"، ظهرت تعبيرات الترحيب بالمفاوضات مع سورية، ودعوات لاستغلال الفرصة الحالية، واستكمال الاتفاق على التفاصيل التي عرضت في محادثات شيبردزتاون عام 2000. أما في صفوف المعارضة اليمينية الإسرائيلية، فقد أثارت التصريحات السورية حول استعداد أولمرت للانسحاب من الجولان ردود فعل غاضبة، واعتبرت المعارضة هذا الأمر يشكل تنازلاً سياسياً وأمنياً غير مسبوق، وأنه من دون الجولان ستواجه إسرائيل صعوبة في الدفاع عن وجودها وفي الحفاظ على بحيرة طبرية ومصادر المياه، وأن إحلال السلام مع سورية يعدّ انتحاراً جماعياً لإسرائيل، وأن إخلاء الجولان سيؤدي إلى دخول قوات من حزب الله إلى هناك، وسيذيقون سكان شمال إسرائيل المرارة، وأن الانسحاب من الجولان يشكل خطراً على إسرائيل لأن سورية هي جزء من "محور الشر"، ويحولها إلى قاعدة متقدمة لإيران تهدد إسرائيل.. واقترب موقف حزب "شاس" المشارك في الائتلاف الحكومي من هذه التوصيفات.

وشن قادة اليمين هجوماً عنيفاً على أولمرت، ووجهوا له اتهامات شديدة، وأكدوا أنه يستخف بالجمهور الإسرائيلي وبالمجتمع الدولي من خلال إطلاق بالونات اختبار وإطلاق تعهدات ليس لها غطاء، وأنه يعبّر عن عبثية سياسية وأمنية خطيرة، وأنه في محاولة يائسة لعرض إنجاز سياسي للناخبين يبدي استعداده للتنازل عن مكتسبات أمنية ووطنية. وشدد رئيس المعارضة ورئيس حزب الليكود بنيامين نتنياهو على أنه في حال انتخابه رئيساً للحكومة لن يحترم أي اتفاق ينجزه أولمرت، لكونه اتفاقاً يفتقر للصلاحية من الناحية القانونية ومن الناحية الواقعية، حسب وصفه. فيما قرر المجلس الإقليمي بالجولان مواصلة مبادرته في مجال الاستيطان، وتوجهت إلى الجولان نحو 1300 عائلة جديدة من أنحاء فلسطين المحتلة في إطار هذه المبادرة.

وكان من اللافت ظهور تصريحين ناريين، أحدهما للنائب آريه الداد من "الاتحاد الوطني-المفدال" الذي أثار عاصفة في الكنيست عندما قال إن "من يسلم أراض حكمه الموت"، استناداً إلى بند "الخيانة" في "قانون العقوبات". والتصريح الثاني لأفيغدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" جاء فيه: "ينبغي التفاوض مع سورية فقط حول الترتيبات الأمنية في لبنان، وليس حول الجولان، وفي حال قصف حزب الله سكان الشمال، فإن سورية ستدفع كامل الثمن، ولن نترك حجراً على حجر في دمشق".

في النطاق الأكاديمي، هناك من رأى ضرورة أن تصر إسرائيل على حلول وظيفية، وليس إقليمية، مثل استئجار الأرض، وأنه لا يوجد أي ضمانة بأن "السلام" مع سورية سيمنع الحرب. بالمقابل تحدث آخرون عن أن أي اتفاق مع سورية سيتضمن أربعة موضوعات جوهرية، واحد منها إسرائيلي وهو الانسحاب من الجولان، مقابل تعويض من جانب سورية بعلاقات دبلوماسية بين الدولتين، وتعهد سوري بأن تواصل إسرائيل تلقي مياه الجولان، وترتيبات أمنية لتعوض فقدان الجولان.

وتعبيراً عن الجموح اليميني في مواجهة مسيرة المفاوضات مع سورية (والفلسطينيين)، أقر الكنيست بالقراءة الأولى يوم 30يونيو 2008 مشروع قانون أيده 65 نائباً وعارضه 18 نائباً يحتم "إجراء استفتاء شعبي أو مصادقة الكنيست بأغلبية 80 عضو كنيست على الانسحاب من مناطق تخضع للسيادة الإسرائيلية". وغني عن البيان أن قرار الكنيست هذا يتعارض مع الشرعية الدولية ومرجعية مدريد (الأرض مقابل السلام، والقرارين 242 و338 )، ويوجه ضربة للإعلان الأولي برغبة إسرائيل بإجراء المحادثات بنية حسنة ومتابعة الحوار بجدية واستمرارية لتحقيق هدف السلام الشامل. فضلاً عن أن هذا القانون يضع عراقيل إضافية أمام المفاوضات ويحولها إلى مجرد مناورات، وأن نتيجة التصويت عليه بمنزلة إعلان رسمي عن رفض إسرائيل للحلول السياسية. ناهيك عن أن هذا القانون يفصّل مسألة الانسحاب من الجولان على مقاسات المزاج الشعبي الإسرائيلي، مقابل الإجماع الدولي على أن قضية الاحتلال ليست قضية داخلية للقوة المحتلة، بل هي قضية صراع يحكمه القانون الدولي والشرعية الدولية.

يشار هنا إلى أن صورة التعبئة الأيديولوجية في الشارع الإسرائيلي تجسدت عبر نتائج العديد من     استطلاعات الرأي العام، ومنها استطلاع أجراه "معهد داحف" أوضح أن 80% من اليهود في إسرائيل لا يصدقون النوايا السلمية السورية، وأن 25% فقط من اليهود مستعدون للتنازل عن كل المنطقة المحتلة من الجولان، مقابل اتفاق سلام كامل مع سورية.

إزاء هذا النسيج المتسق، حزبياً وشعبياً، والذي يعكس رفضاً إسرائيلياً جارفاً للانسحاب من الجولان، يبدو أن أولمرت يسير في الطريق التي سار فيها من سبقه من رؤساء الحكومات الإسرائيلية؛ طريق البحث عن السلام في دائرة مفرغة، لماذا؟ .. ببساطة، لعدم توفر المقومات الداخلية للخروج من هذه الدائرة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات