البورصات المالية ودور آليات السوق

  • 15 مارس 2006

تتعرض سوق الأسهم الخليجية هذه الأيام  لهزات كبيرة ومتتالية، أفقدتها ما يزيد على 200 مليار دولار، أو ما يعادل ثلث قيمتها السوقية، خلال الأشهر القليلة الماضية، وبالقدر نفسه انخفضت ثقة المستثمرين في هذه السوق، كما أصبح مستقبل هذه السوق أكثر غموضا من أي وقت مضى. لم يكن مفاجئا هذا التراجع السريع، بعد أن حققت مؤشرات هذه السوق مستويات قياسية، متجاوزة المستويات الحقيقية لأسهم الشركات المدرجة بمعدلات غير طبيعية، تجاوزت في كثير من الحالات 20 ضعفا من قيمتها الدفترية، بل وتجاوز مجموع قيمة الأسهم المطروحة في هذه السوق حجم الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج الست مجتمعة، والمقدر بنحو 550 مليار دولار، بينما كانت قاعدة المستثمرين والمضاربين تتسع باضطراد متجاهلة لأبسط الأبجديات الاقتصادية والاستثمارية التي تحكم عملية تقييم الأسهم، طمعا في جني المزيد الأرباح. وهكذا ظلت المبالغات تنفخ في هذا السوق طيلة الفترة الماضية من خلال مبررات غير واقعية يروج لها المضاربون، في ظل محدودية الوعي الاستثماري وعدم وجود جهات متخصصة ومحايدة تفصح عن الأسعار العادلة لأسهم الشركات المدرجة. 

إن الحركة التصحيحية التي تشهدها سوق الأسهم الخليجية حاليا، وهي حركة "صحية" ومطلوبة، قد تستمر خلال الأسبوعين المقبلين، على الأقل. وعلى الحكومات الخليجية عدم الاستجابة للمطالبات المتصاعدة بالتدخل للتأثير في مجريات السوق، إذ إن أي تدخل حكومي مباشر للتأثير في الأسعار، قد يكون له آثار سلبية سيئة على المدى البعيد، وقد يطيل فترة التصحيح، بل يجب على هذه الحكومات أن تسعى إلى تحرير أسواق الأسهم، وتعزيز الشفافية والإفصاح وتقويض مفاهيم المضاربة المسيطرة على البورصات المالية، وإيجاد وساطة مالية ذات كفاءة عالية وقادرة على الابتكار والمنافسة والتجاوب السريع مع المتغيرات.

إن الواقع الذي تمر به سوق الأسهم الخليجية حاليا يفرض حاجة ملحة لإفساح المجال أمام آلية السوق لتعمل عملها في شفافية تامة، وهي كفيلة وحدها بأن تعود بهذا السوق إلى رشده. رغم أن ذلك سيكون مؤلما لشريحة كبيرة من المستثمرين، خاصة الصغار والهواة منهم، إلا أنهم سيتلقون في المقابل درسا مهما، يتأكد للجميع من خلاله أن إغراء الأرباح الكبيرة علامة تحذير وليس علامة تشجيع للمشاركة، في سوق لا يقبل المتعاملون فيه أي إشارة إلى إمكانية هبوط الأسهم، ويعتبرون الصعود المتواصل في الأسعار أمرا طبيعيا، بل وأن البعض يجادل أن أوضاع هذا السوق استثنائية ولا يمكن إخضاعها لحسابات المنطق الاقتصادي الرشيد وها هو المنطق نفسه يعود ليفرض آلياته على الجميع، فهلا أفسحنا له المجال في التعاملات؟!

 

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات