البعد الاجتماعي لمشروعات الإسكان في الإمارات

د. عبدالله العوضي: البعد الاجتماعي لمشروعات الإسكان في الإمارات

  • 17 أكتوبر 2012

المسكن هو الوطن الأصغر الذي يعيش فيه الإنسان داخل وطنه الأكبر، وهو جزء من منظومة الأمن الاجتماعي والنفسي، الذي يعين الفرد على الإنجاز المستمر في حياته العملية.

ويحتل توفير المسكن الملائم قمة سلم الأولويات الضرورية للإنسان في أي مجتمع، فهو لا يقل أهمية عن حاجته إلى الطعام والشراب، كما أنه ضروري لتحقيق الاستقرار المجتمعي الذي يستطيع الفرد من خلاله أن يؤدي دوره المأمول في المجتمع.

من هذا المنطلق يمكننا أن نضع كل مشروعات الإسكان في دولة الإمارات العربية المتحدة تحت مظلة هذه الفلسفة التي تسعى إلى الارتقاء بنمط حياة المواطن وتحقيق رفاهيته ومساعدته على أداء واجباته تجاه وطنه وأسرته على أكمل وجه، من دون الانشغال عن ذلك بالبحث عن السكن الملائم. وقد كانت الدولة منذ تأسيسها على يد المغفور له -بإذن الله تعالى- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حريصة في سياساتها وبرامجها كافة على إقرار هذا الحق للمواطنين وتوفير السكن العصري المناسب لهم.

وتمضي الدولة قدماً في هذا الطريق انطلاقاً من رؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، رئيس الدولة، حفظه الله، و توجيهات سموه بضرورة توفير خيارات السكن الملائمة لمقومات العيش الكريم لكل المواطنين، وتبنّي مبدأ الاستدامة في تحقيق هدف التنمية الحضرية التي تواكب متطلبات العصر ومتغيراته.

ولتنفيذ هذه الرؤية على أرض الواقع، ثمة مجموعة من المؤسسات التي تأخذ على عاتقها القيام بهذه المهمة، وعلى رأسها برنامج الشيخ زايد للإسكان، ومؤسسة محمد بن راشد للإسكان، ووزارة الأشغال العامة، ومصرف الإمارات للتنمية، الذي يدعم قضايا إسكان المواطنين من خلال تمويل عمليات البناء، بالتنسيق مع الدوائر المحلية المعنية بالتخطيط العمراني في الدولة.

وتضع الحكومة خططاً مستمرة لمواصلة جهودها في مجال توفير مستلزمات المسكن الكريم للمواطنين في إمارات الدولة كافة ومدنها وقراها. وتكشف قائمة المشروعات التي تمّ إعلانها في السنوات الأخيرة، والخاصة بإنشاء مبانٍ سكنية للمواطنين، وتطوير البنى التحتية في العديد من المناطق، وزيادة الاستثمارات الموجهة إلى قطاعَي الماء والكهرباء، مدى الاهتمام الذي توليه الدولة وقيادتها الرشيدة لتوفير كل سبل الراحة للمواطنين.

ففي إمارة أبوظبي، تتبنّى الحكومة منذ عام 2006 مفاهيم عصرية جديدة في تنفيذ المشروعات الإسكانية الخاصة بالمواطنين، وهي تقوم بإنشاء مجموعة من المجمعات السكنية المتكاملة التي تتوفر فيها كل الخدمات الحديثة لتحل محل المساكن الشعبية القديمة. وفي هذا الإطار، قام مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني في عام 2011 بالتوقيع على عدة اتفاقيات مع شركات التطوير العقاري الكبرى في الإمارة لإنجاز وبناء قرابة 7500 مسكن جديد للمواطنين في كل من أبوظبي والعين والمنطقة الغربية، قُدرَت تكلفتها الإجمالية بـ 13.5 مليار درهم، وذلك ضمن خطة متكاملة وشاملة بهدف الانتهاء من بناء 13000 منزل جديد بحلول العام 2015؛ أي خلال السنوات الثلاث القادمة.

ولضمان تعدد الخيارات المتاحة أمام المواطنين في بناء المنزل المناسب لهم، أنشأت إمارة أبوظبي هيئة قروض المساكن في يوليو 1990 بموجب القانون رقم 3 لسنة 1990 بغرض منح المواطنين قروضاً من دون فائدة لبناء مساكن لهم أو توسيع وترميم مساكنهم الحالية. وفي عام 2008 رفعت الهيئة الحد الأقصى المسموح به للاقتراض من 1.2 مليون درهم إلى مليوني درهم للتيسير أكثر وتوفير مزايا أفضل للمواطنين في تحقيق العيش الرغيد.

ولا تقتصر مشروعات الإسكان التي ينفذها برنامج الشيخ زايد للإسكان على إمارة أبوظبي، بل تمتد لتشمل إمارات الدولة جميعها، وفي هذا السياق أعلن البرنامج في شهر إبريل الماضي أنه سيبدأ بمشروع "مجمع خليفة" في الفجيرة، الذي يتضمن 427 فيلا، ويتبع ذلك تنفيذ مجمع سكني في الشارقة، يتضمن تنفيذ 407 فيلات في منطقة السيوح، على أن تبدأ المشروعات الإسكانية في الإمارات الأخرى في مرحلة لاحقة هذا العام، وبتكلفة إجمالية تقدر بمليار و400 مليون درهم، وتشمل إنشاء 1888 فيلا في مختلف إمارات الدولة.

جدير بالذكر أن إجمالي عدد المستفيدين من برنامج الشيخ زايد للإسكان بلغ 1505 مستفيدين في العام الماضي 2011، كما أصدر البرنامج حتى سبتمبر من العام الماضي 27 ألف مساعدة سكنية للمواطنين المستحقين، حيث شرع العديد منهم في تنفيذ مشروعات المساكن الخاصة بهم على مستوى الدولة، في حين بلغ إجمالي عدد المساكن التي تم تسليمها13 ألف مسكن والعمل جارٍ حالياً على تنفيذ 14 ألف مسكن آخر .

وفي إمارة دبي، تقوم مؤسسة محمد بن راشد للإسكان باستكمال الدور الرائد والحيوي لمشروعات الإسكان في الدولة، حيث تهدف المؤسسة، التي أنشئت في عام 2006، إلى توفير السكن الملائم لمواطني إمارة دبي. وقد بلغ عدد طلبات القروض المقدمة من المواطنين إلى المؤسسة حتى العام 2011 نحو 22 ألفاً و935 طلباً، وقد تمت الموافقة على 13 ألفاً و247 طلباً، والباقي قيد الدراسة.

ولدعم المزيد من عوامل الاستقرار الاجتماعي للأسر في الدولة، أعلنت المؤسسة في العام الماضي عن ضم فئات جديدة إلى المستفيدين من المؤسسة، من بينها المواطن المتزوج بامرأة ثانية، والمواطنة المتزوجة بأجنبي. وشمول هذه الفئات للاستفادة من مشروعات الإسكان سيساهم في التخفيف من الأعباء المعيشية على الأسر ذات الدخل المحدود وفئة الشباب الذين ينطلقون نحو المستقبل بخطوات ثابتة.

وجاء إنشاء مصرف الإمارات للتنمية في ديسمبر 2011 برأس مال قدره 10 مليارات درهم؛ ليوفر مزيداً من البدائل التي تتيح للمواطنين إمكانية الحصول على السكن المناسب لهم، ويؤكد من جديد مدى اهتمام القيادة الرشيدة للدولة بالمواطنين وحرصها على تيسير أرقى سبل العيش الكريم لهم ورفع مستوياتهم المعيشية، فضلاً عن تقديم حلول تمويل وادخار تساعد المواطنين على امتلاك المسكن المناسب وبكلفة اقتصادية معقولة ومقبولة.

وفي السياق ذاته، وقعت حكومة الشارقة اتفاقية شراكة لإدارة تمويل مشروعات الإسكان الحكومي مع مصرف الإمارات الإسلامي، وذلك انطلاقاً من حرص صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة على توفير سبل الحياة الهانئة للأسر المواطنة ورعايتها والحفاظ على كيانها.

ولا تقتصر مشروعات ومبادرات الإسكان في الدولة على الجهات أو المؤسسات الحكومية فقط، وإنما كان للمؤسسات الخيرية نصيب من المساهمة في توفير الاحتياجات الإسكانية للمواطنين لترسيخ دعائم الاستقرار المجتمعي. فعلى سبيل المثال، تقوم مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية بتنفيذ برنامج صيانة المساكن الذي يستهدف الأسر المواطنة من أصحاب الدخول المحدودة في مختلف إمارات الدولة. وتعطي المؤسسة الأولوية في برامجها التنفيذية ومشروعاتها الخيرية لفئة الأرامل وكبار السن.

كما تقوم مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية بدور مهم في هذا الصدد من خلال مشروعاتها الإسكانية التي تنفذها في مختلف إمارات الدولة. ففي عام 2011 سلمت المؤسسة جميع المساكن الشعبية الجديدة، التي أقامتها في منطقة السيجي بالفجيرة على نفقتها الخاصة، وبلغ عددها 60 مسكناً شعبياً، للمواطنين المستحقين ممن يعانون سوء حالة بيوتهم بعد انتهاء عمرها الافتراضي.

وقد نفذت المؤسسة أربعة مشروعات في إمارات: الفجيرة ورأس الخيمة وعجمان وأم القيوين، ووصل عدد البيوت الشعبية إلى 240 مسكناً شعبياً بتكلفة تصل إلى 165 مليون درهم. كما قامت المؤسسة قبل عامين بإنشاء أكثر من 30 بيتاً شعبياً جديداً لفئات الأرامل والمطلقات في منطقة الفصيل بالفجيرة، وأقامت بيوتاً أخرى للفئات نفسها في دبا الفجيرة.

من خلال إلقاء نظرة سريعة وشاملة على المشروعات والمبادرات الإسكانية كافة، التي تم إطلاقها على مستوى الدولة، سواء كانت متعلقة بإنشاء مبانٍ ومجمعات سكنية للمواطنين، أو بتطوير مشروعات البنية التحتية والخدمية الخاصة بهذه المجمعات، سنجد أنفسنا أمام نموذج مشرّف لقيادة وطنية حكيمة تضع كل الموارد والخطط والبرامج التنموية من أجل تعزيز رفاهية مواطنيها وتوفير سبل العيش الكريم لهم.

إن مجتمع الرفاه الذي وفرته الدولة لكل المواطنين، وكذلك القاطنين على أرضها المعطاءة، هو السبب فيما نشهده من استقرار مجتمعي ورفاهية تحسدنا عليها شعوب كثيرة. ومشروعات الإسكان والبنية التحتية التي يجري تنفيذها بشكل متواصل تعكس بوضوح قناعة قيادتنا الرشيدة بأن المواطن الإماراتي هو الثروة الحقيقية، وعنصر التنمية الأساسي والمحوري. ولهذا فإنه من الطبيعي أن تحتل الدولة موقعاً متقدماً في معايير التنمية البشرية، ومؤشرات الرضا والسعادة، ليس على المستوى الإقليمي فقط، وإنما على المستوى العالمي أيضاً.

Share