البعد الأمني في سياسة مكافحة الإرهاب الأمريكية: فعاليته وحدوده

  • 22 يوليو 2010

مثلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ذروة تطور خطر في مسيرة عمل التنظيمات والعناصر الإرهابية، دفعت الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، والمجتمع الدولي عامة، إلى وضع ظاهرة الإرهاب على قمة أولوياته الاستراتيجية. ومنذ ذلك الوقت، قادت الولايات المتحدة حملة عالمية لمكافحة هذه الظاهرة، تنوعت الإجراءات التي اتخذت في إطارها، ما بين الجانب القانوني متمثلاً في إصدار التشريعات والقوانين، التي تجرّم الإرهاب وتغلظ العقوبات المفروضة على العناصر المتورطة فيه؛ والسياسي متمثلاً في تعزيز علاقات التنسيق والتعاون مع الدول المختلفة عبر تبادل المعلومات عن الإرهابيين وتسليم المتورطين في الأعمال الإرهابية؛ والاقتصادي متمثلاً في العمل على تجفيف المنابع المالية للإرهابيين وتجميد ثرواتهم وممتلكاتهم، والأمني-العسكري متمثلاً في شنّ حرب لا هوادة فيها على العناصر الإرهابية وتعزيز الإجراءات الأمنية المتبعة داخل الأراضي الأمريكية.

ومن بين مختلف هذه الإجراءات، شغل البُعد الأمني حيزاً هو الأهم في جهود مكافحة الإرهاب الأمريكية. فعلى المستوى الخارجي، استخدمت الولايات المتحدة الأداة العسكرية على نطاق واسع لمواجهة ما سمّته بالجماعات الإرهابية والدول الراعية لها ضمن ما عرف باستراتيجية "الضربات الوقائية"، وخاضت في هذا الصدد حربين خطرتين في أفغانستان والعراق، كما عززت وجودها الأمني في الكثير من بقاع العالم. وعلى المستوى الداخلي، توسّعت الدولة في إنشاء الأجهزة الأمنية بشكل مبالغ فيه، إلى حد أصبحت معه تعاني حالة من التضخم الاستخباراتي غير المسبوق، وهي الحقيقة التي كشف عنها تقرير موسّع أعدته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، تمّ نشره مؤخراً؛ ومثل صدمة لكثير من المراقبين. وطبقاً لهذا التقرير، فإنه يوجد حالياً داخل الولايات المتحدة نحو (1271) منظمة حكومية ونحو (1931) شركة خاصة تعمل في مجال مكافحة الإرهاب وتوفير الأمن وجمع الاستخبارات داخل الأراضي الأمريكية، وهي منتشرة في عشرة آلاف موقع في أرجاء البلاد. كما يوجد هناك نحو (854) ألف شخص يحملون تصاريح أمنية سرية، وبإمكانهم الاطلاع على معلومات سرية، ويقوم المحللون في هذه الوكالات والشركات بإعداد نحو (50) ألف تقرير استخباراتي سنوياً، يتمّ تجاهل الكثير منها بشكل روتيني.

هذا التضخم الاستخباراتي انعكس، كما رأى معدو التقرير والعديد من المراقبين الآخرين، بشكل سلبي على فعالية جهود مكافحة الإرهاب الأمريكية. فمن ناحية، تسبّب هذا الكمّ الضخم من المعلومات الاستخباراتية، التي تراكمت لدى الحكومة والأجهزة الأمنية منذ هجمات 11 سبتمبر في تعقيد إمكانية استخدام هذه المعلومات أو الاستفادة منها، وجعل من الصعب، إنْ لم يكن من المستحيل، التحقق من دقتها وأهميتها. ومن ناحية أخرى، أوجد هذا التضخم الاستخباراتي "مشكلات تنظيمية" في عمل الأجهزة الأمنية المختلفة والإشراف عليها والتحقق من مدى كفاءتها. فالعديد من هذه الأجهزة تقوم بالعمل نفسه، ما يوجد حالة من تكرار الجهد وهدر الوقت والمال. فعلى سبيل المثال، هناك (51) وكالة فيدرالية وإدارة عسكرية تعمل في (15) مدينة أمريكية تقوم جميعها بمتابعة تدفق الأموال من الشبكات الإرهابية وإليها. أضف إلى ذلك الإشكاليات التي يثيرها هذا العدد الضخم من الأجهزة الأمنية في ما يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان.

وتأكيداً لذلك، يرى بعض المراقبين، أنه بالرغم من هذا العدد الضخم من الأجهزة الأمنية التي تعمل في الأراضي الأمريكية، فإنها لم تتمكن من كشف بعض الهجمات الإرهابية الخطرة التي كانت تستهدف الولايات المتحدة. ومن ذلك المحاولة الفاشلة التي قام بها أحد الإرهابيين، ويدعى عمر فاروق عبد المطلب، نيجيري الجنسية، لتفجير طائرة ركاب أمريكية في أثناء هبوطها في "مطار مدينة ديترويت" في يوم رأس السنة الآتية من العاصمة الهولندية أمستردام، وهي المحاولة التي كادت تكرر مأساة 11 سبتمبر، لولا يقظة طاقم الطائرة وليس بسبب كفاءة النظام الأمني المتبع. وكذلك المحاولة الفاشلة التي استهدفت تفجير سيارة مفخخة وسط نيويورك في بداية مايو الماضي (2010).

وثمة اتفاق عام بين خبراء مكافحة الإرهاب على أن التركيز على الجانب الأمني والعسكري بمفرده في مكافحة الإرهاب لا يمكن أن يحقق النتائج المبتغاة، بل قد يأتي بنتائج عكسية. ويرى بعض هؤلاء الخبراء والمحللين أن هذا الأمر هو الذي يفسر تعثر الجهود الأمريكية في مجال مكافحة الإرهاب بعد ما يقرب من تسع سنوات على أحداث 11 سبتمبر. فالحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق بزعم دعمه الإرهاب تسبّبت في إيجاد جيل جديد من الإرهابيين والمتطرفين في المنطقة والعالم، وهو أمر اعترف به العديد من المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين، كان آخرهم البارونة إليزا مانينجهام بولر، المسؤولة السابقة في جهاز الاستخبارات البريطانية الداخلية (إم آي 5)، التي تولّت رئاسة هذا الجهاز في مارس 2002؛ حيث أكدت في شهادتها أمام لجنة التحقيق الخاصة بدراسة ملابسات التدخل العسكري البريطاني في حرب العراق يوم 20 يوليو الجاري (2010)، أن هذه الحرب أدّت إلى تصاعد كبير في مستوى التهديد الإرهابي وزيادة التشدد لدى جيل من الشباب مـمَّنْ اعتبروا أن التدخل في العراق وأفغانستان هو بمنزلة اعتداء على الإسلام"، مشيرة إلى أن إسقاط نظام صدام حسين سمح لـ "القاعدة" بالوجود في العراق للمرة الأولى.

وبالمثل، تتسبب العمليات العسكرية التي تشنها القوات الأمريكية باستمرار في أفغانستان وباكستان ضد عناصر "القاعدة" وحركة "طالبان" في دعم التشدد في هذه المنطقة. فهذه العمليات يترتب عليها في أغلب الأحيان سقوط ضحايا مدنيين أبرياء، ما يثير حفيظة المواطنين العاديين ويزيد من دعمهم المتطرفين. حتى على المستوى الداخلي الأمريكي، قد يتسبّب الاستهداف الأمني لبعض الجاليات العربية والمسلمة، في إثارة حفيظة بعض هؤلاء، ودفعهم إلى دائرة التشدد والتطرف.

ويرى بعض المحللين أن تركيز الولايات المتحدة خلال السنوات التسع الماضية على استهداف رموز تنظيم "القاعدة" وقادته، وإن حقق بعض النجاحات المهمة، إلا أنه لم ولن يؤدي في المقابل إلى القضاء على التنظيم نفسه الذي أصبح أكثر انتشاراً. وفي هذا السياق، يرى الكاتب الأمريكي بروس هوفمان Bruce Hoffman أن اتباع سياسة "قطع الرأس" لن يحدَّ من الإرهاب، مشيراً إلى أن قتل أبي مصعب الزرقاوي، زعيم "القاعدة" في العراق، لم ينه هجمات هذا التنظيم في العراق، بل على العكس ازدادت إثره أعمال القتل والعنف المنسوبة إلى جماعة "القاعدة"، لافتاً النظر إلى أن ذلك لا يعني أن قَتلَ الإرهابيين وأَسرَهم ينبغي ألا يكون ضمن أولويات أي جهود لمكافحة الإرهاب، ولكن يعني ضرورة أن يتزامن ذلك مع بذل جهود أكبر لوقف تدفق مجندين جدد إلى المنظمات الإرهابية.

لقد أكّدت نتائج الحرب على الإرهاب، التي خاضتها الولايات المتحدة لنحو تسع سنوات أن الاعتماد على الأساليب الأمنية والعسكرية ومنطق القوة فقط لن تؤتي ثمارها في مكافحة هذه الظاهرة، وأن هناك حاجة إلى استراتيجيات جديدة شاملة، تأخذ في الاعتبار ضرورة معالجة الأسباب التي تفضي إلى تنامي الإرهاب ونزعات التطرف والعنف، بما في ذلك تعزيز إجراءات بناء الثقة مع العالم الإسلامي، واتخاذ إجراءات جادة في مجال التصدي للممارسات العدوانية الإسرائيلية ودفع جهود تحقيق السلام في المنطقة، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية في ملاحقة العناصر الإرهابية وإفشال مخططاتها. بمعنى آخر، يجب أن يكون العنصر الأمني هو أحد الجوانب في أي استراتيجية لمكافحة الإرهاب، وليس الجانب الأوحد لها، وهو أمر بدأت تدركه الولايات المتحدة منذ تولي إدارة أوباما السلطة، لكن تظل المشكلة في كيفية وضع هذا الإدراك موضع التطبيق.

Share