البطالة والمظلة التأمينية في دولة الإمارات

  • 16 مايو 2011

البطالة في أي مجتمع هي مشكلة اجتماعية أولاً، واقتصادية ثانياً، وتنموية ثالثاً، أي إنها تؤثر في أكثر من مجال لترابط خيوطها وتشابك خطواتها. ولا يكاد يخلو مجتمع في العالم من هذه المشكلة، وإن بنسب متفاوتة، ترتفع حيناً وتتراجع حيناً آخر، إلا أن خطورتها تستفحل إذا لم تجد السبل العملية والعلمية لعلاجها وفق رؤىً واضحة واستراتيجيات بعيدة المدى.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، كانت هناك على الدوام جهود حثيثة تبذلها أجهزة الدولة للتعامل مع هذه المشكلة، بالرغم من أن نسبة البطالة في الدولة تعد من أدنى النسب في العالم، وذلك في إطار السياسة الأوسع التي تتبناها القيادة الرشيدة للدولة للارتقاء بالمواطنين وتمكينهم، بيد أن الموضوع أخذ في الفترة الأخيرة حيزاً أكبر من الاهتمام الرسمي على المستويين الرأسي والأفقي، ومن أبرز الخطوات التي اتخذت في هذا الصدد إنشاء "صندوق خليفة لتمكين التوطين"، الذي يهدف إلى توفير الموارد المالية اللازمة لدعم برامج وسياسات تشجع المواطنين على الالتحاق بسوق العمل، ولاسيما القطاع الخاص. وهذا يؤكد أن المال وحده ليس عائقاً عن المضي نحو تخفيف أحمال هذه المشكلة على أبناء الوطن الباحثين عن العمل للمساهمة في إنجاز الخطط التنموية المستدامة.

ليست هناك مشكلة مجتمعية عصية على الحل إذا توافرت الإرادة؛ فإذا ما سعت الإدارات المعنية إلى  إيجاد كل وسيلة ناجحة وناجعة للتخلص من عبء البطالة من جذورها فلن نرى منها على السطح شيئاً يذكر. وعلاج هذه المشكلة المجتمعية هو جزء لصيق بعملية التنمية الشاملة، فلا توجد جهة واحدة هي المعنية فقط بالحل الأمثل، وإن تمثلت اليوم من الناحية التنفيذية بهيئة "تنمية" التي مهما بذلت من جهد، لن تستطيع القيام بشيء ما لم تتعاون معها المؤسسات الأخرى.ها.

إن الوصول إلى الحلول المثلى لمشكلة البطالة بحاجة إلى جهود تكاملية تبدأ من الفرد الباحث عن العمل، ولا تنتهي عند الحصول على الوظيفة المعنية، والدليل هو ظاهرة الاستقالات التي تدفع المواطنين إلى رحلة جديدة للبحث عن عمل آخر يلبي طموحهم، أو يعالج الخلل الذي وقع في التجربة الأولى لدى بعضهم الآخر.

وأسوة بكثير من الدول المتقدمة التي جعلت من عملية التأمين ضد البطالة عنصراً أساسياً وجوهرياً في التخفيف من حدة هذه المشكلة حتى يتم علاجها، اتخذت الدولة خطوات إيجابية في هذا الصدد؛ حيث تعكف هيئة "تنمية" على إعداد مشروع قانون اتحادي يسمح بتوفير مظلة تأمينية اجتماعية تقف في صف الباحثين عن العمل إلى حين حصولهم على الوظيفة التي تلبي احتياجاتهم وتطلعاتهم المستقبلية، من خلال تخصيص مكافأة شهرية للباحث عن عمل تكون له عوناً في مواجهة تحديات الحياة اليومية، وتؤصل مبدأ الأمن الاجتماعي في نفس كل مواطن باحث عن عمل.

ومن الضرورة تأكيد أن سوق العمل في الإمارات يتميز بالانفتاح على الجميع في ظل مسار الحرية والانفتاح الذي ينتهجه الاقتصاد الوطني، كما أنه يتميز بالنمو والحيوية؛ حيث إن فرص العمل فيه في تزايد مستمر، وفي ذلك دلالة على تعافي الاقتصاد الوطني من تبعات الأزمة المالية العالمية الأخيرة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أي رقم يطرح للدلالة على عدد الوظائف المتاحة في سوق العمل بالدولة هو رقم تقديري ونسبي.

ولا شك في أن معرفة تركيبة سوق العمل الفعلي في دولة الإمارات هو أمر مهم للوصول إلى الحلول العملية لمشكلة البطالة، وهنا تظهر البيانات الرسمية التي نشرت مؤخراً تزايداً ملحوظاً في أعداد العمالة الوافدة ولاسيما بالقطاع الخاص؛ حيث بلغ عددها في الوقت الراهن، وفقاً لبعض التقديرات، نحو 3.8 مليون عامل من بينهم نحو 1.9 مليون من العمالة غير الماهرة، أي بنسبة 50٪ من إجمالي العمالة، كما أن هناك نحو 1.1 مليون عامل من ذوي المهارات المحدودة، أي بنسبة 29٪ من إجمالي العمالة الوافدة في هذا القطاع الحيوي. وهذه الأعداد من الوظائف التي تقارب الثلاثة ملايين وظيفة لا تتناسب مع المهارات والقدرات والإمكانيات التي تتميز بها العمالة المواطنة.

أما أعداد الوظائف المتبقية والتي تقارب نحو مليون وظيفة فهي تبدو مناسبة للمواطنين الباحثين عن عمل، وإذا علمنا أن عدد القوى العاملة المواطنة يبلغ حالياً قرابة 20 – 30 ألف عامل مواطن في القطاع الخاص، وهي النسبة التي تقل عن الواحد بالمائة، فإنه يمكننا تبين مدى محدودية مشاركة العمالة المواطنة في سوق العمل بالقطاع الخاص، الذي يضج بمئات الألوف من الوظائف المتسعة، والتي لا ينبغي أن تضيق أبداً بالمواطنين القادرين على تحمل الدور المنوط بهم لرفع شأن الاقتصاد الوطني في نهاية المطاف، وهو الهدف الاستراتيجي الأهم للدولة.

أكثر من ذلك، إذا تفحصنا وضع سوق العمل الآن في مجتمع الإمارات من ناحية مساهمة العمالة الوافدة في الاقتصاد الفعلي للدولة، فسنجد أن ما يقارب الثلثين يقع في خانة العمالة "الهامشية"، التي تسمى بغير الماهرة أو محدودة المهارة، والثلث الآخر هو الذي يتم الاعتماد عليه.

ولو وضعنا صورة العمالة الوطنية خلال العقد القادم في الاعتبار كجزء أساسي في تركيبة سوق العمل بالدولة، فإن الإحصاءات والدراسات التقديرية تشير حالياً إلى أن قرابة 200 ألف مواطن سيصلون إلى سن العمل خلال السنوات العشر القادمة، نصفهم، أي ما يقارب 100 ألف مواطن، بحاجة إلى فرص وظيفية فعلية لهم بدون تأجيل حتى لا تتراكم الأعداد وتضيق الفرص المتاحة على الأعداد المتوالية.

لقد حان الوقت للقيام بعملية تشريح وظيفية لقرابة مليون فرصة عمل متاحة للعمالة المواطنة، ولا نعتقد أن هذه المهمة الوطنية بتلك الصعوبة، فكل البيانات التفصيلية متوافرة لدى الجهات المعنية بالشأن الوظيفي على المستويين الحكومي والخاص. وبناء على ذلك يمكن الخروج بمعلومات دقيقة ومهنية تخدم كل المواطنين الباحثين عن عمل خلال العقود القادمة، وخاصة أن تخصصات المواطنين واضحة ومعروفة سلفاً، فقط الأمر بحاجة إلى فرز للوظائف التي يمكن إحلالها في سوق العمل، سواء على المدى القريب، أوالمتوسط، أوالبعيد.

وللوصول إلى نتائج عملية لمظلة الضمان الاجتماعي ضد التعطل، نجد أن الحكومة تذهب، في تفاصيل هذا المشروع الاستراتيجي، إلى حلول على المدى القصير تتمثل في تقديم دعم مباشر للمواطن العامل في القطاع الخاص، وذلك من خلال تحمل الحكومة 20٪ من راتب الموظف المواطن ولفترة محددة، وذلك بهدف تحفيز وتشجيع الراغبين في العمل في القطاع الخاص وأصحاب العمل على تبني التوطين كاستراتيجية طويلة المدى لدى شركاتهم ومؤسساتهم وكجزء من خطة عملهم السنوي لتحقيق الأهداف الملموسة في نهاية كل سنة.

يضاف إلى ذلك أن تخصيص ميزانية لتأهيل وتدريب المواطنين الباحثين عن عمل، قبل العمل وفي أثنائه ولفترة محددة كذلك، من شأنه أن يقطع كثيراً من الأعذار التي يقدمها أو يختلقها القطاع الخاص للتهرب من استحقاقات التوطين في مرحلة التمكين، ويتوج هذا البرنامج تقديم دعم مالي للمواطن الباحث عن عمل بمبلغ محدد ولفترة معينة؛ حتى يقف على قدميه ويحصل على وظيفة دائمة تغنيه عن تلك المكافأة التي بلا شك ستذهب مرة أخرى إلى مواطن آخر يمر بذات الظرف، وهكذا سيتم على المدى البعيد تدوير هذه المكافآت على ألوف المواطنين الباحثين الجادين عن عمل يحقق المواطن من خلاله ذاته ويحفظ للوطن مقدراته.

وبهذا يمثل صندوق خليفة لتمكين التوطين ذراعاً عملية تحيط بكل المواطنين الباحثين عن عمل، وهو أحد المشاريع التي ستؤتي ثمارها على المدى المنظور من أجل تمكين الموارد البشرية المواطنة والمؤهلة للمساهمة في سوق العمل الفعلي من أجل تضييق الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات هذا السوق في مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي ذلك تعزيز مباشر للإقبال على القوى العاملة المواطنة والمناط بها تحمل مسؤولية الدفع بالتنمية المستدامة إلى آفاق أرحب وبسواعد أبناء الوطن.

Share