البطالة.. قنبلة موقوتة في وجه الاستقرار

  • 26 يناير 2020

لا يخفى على أحد الأثر الخطير الذي يتركه ارتفاع معدلات البطالة على حجم الاستقرار السياسي والاجتماعي وحتى الاقتصادي؛ وذلك لأن هذه المعضلة تتسبب بارتفاع في معدلات الفقر، وانخفاض في حجم القدرة الشرائية للأفراد، وحدوث المزيد من الاحتقانات الشعبية التي تهدد أمن واستقرار الدول.
أرقام مقلقة نشرتها العديد من التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية ذات العلاقة بشأن معدلات البطالة عالمياً، حيث أعلنت الأمم المتحدة مؤخراً أن أكثر من 470 مليون شخص في العالم هم في عداد العاطلين عن العمل، أو في حالة من البطالة المقنّعة؛ الأمر الذي يسهم في حدوث المزيد من الاضطرابات الاجتماعية، التي ستوثر بدورها في قوة اقتصادات الدول المعنية، وتفاقم الأوضاع الأمنية التي تتجه نحو الانحدار.
وعلى الرغم من أن معدّلات البطالة ما زالت مستقرة عالمياً، بحسب منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة، والذي بلغ 5.4% العام الماضي، فإنه يرجّح أن يرتفع العدد الإجمالي للعاطلين عن العمل مستقبلاً، وخاصة في الوقت الذي يشهد فيه النمو العالمي تباطؤاً جرّاء التحديات الجيوسياسية السائدة في العديد من الأقاليم والمناطق، وجرّاء تنامي حدّة النزاعات التجارية وعدم استقرار أسعار النفط. وبالعودة إلى العدد الذي أدرجته «العمل الدولية» والذي بلغ أكثر من 470 مليون شخص في العالم، عاطلين عن العمل أو في حالة من البطالة المقنعة؛ والذين يصل عددهم إلى نحو 285 مليون؛ الأمر الذي يشير إلى أنهم يعملون أقل مما يرغبون أو فقدوا الأمل في العثور على وظيفة لائقة، بمعنى أنه لا يمكنهم الوصول إلى سوق العمل، هذه النسب إن عبرت عن شيء فإنها تشير إلى تنامي حالة غياب المساواة المرتبط بالحرمان من التوظيف، والذي يؤثر على إيجاد مستقبل أفضل للشباب؛ فالحلول الرامية إلى تعزيز الاستقرار تصبح في هذه الحالة مجرد أطروحات نظرية لا يمكن تحقيقها في ظل هذه المعدلات، والتي يثبتها تفاقم الاحتجاجات الشعبية في دول العالم، وخاصة في الدول العربية، التي تشهد حالة من الفوضى وتردي مستويات الأمن وتراجع المقدرة على نمو الاقتصادات الوطنية، حيث أفادت إحصائيات صادرة عن البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، أن منطقة الوطن العربي تعدّ الأعلى في العالم في نسب البطالة في عام 2018، والتي تُشكّل ما نسبته 9.81% من إجمالي سكان المنطقة، فيما يصل المعدل العالمي في نسب البطالة إلى ما نسبته 5.38% فقط. أرقام أخرى تنبئ بمزيد من القلق؛ ففي عام 2019، وبحسب «العمل الدولية» أيضاً، اندرج أكثر من 630 مليون شخص ضمن ما يعرف بالعمال الفقراء، أي خمس السكان العاملين عالمياً، يحصلون على أقل من 3,20 دولار في اليوم؛ الأمر الذي يحد من قدرتهم الشرائية ويجعلهم غير قادرين على التأثير في عجلة التنمية والنمو، وهذا كلّه إثر معاناتهم من عدم المساواة مع غيرهم في الحصول على وظائف لائقة، أو أجور تناسب حجم ما يقومون به من جهد، لتتحول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية إلى أحد مهددات السلم والأمن والاستقرار.
إن المتأمل لارتفاع معدلات البطالة، يمكنه توقع النتائج السلبية التي تؤثر في حياة الشعوب واستقرار الدول، حيث تنخفض معدلات التماسك الاجتماعي، وتتزايد نسبة العاملين في الاقتصاد غير المنظم، الذي يعدّ صاحب آثار كارثية على اقتصاد الدولة من جهة؛ كون العاملين غير مسجلين رسمياً، ولا يمكن بالتالي اعتبارهم مواطنين فاعلين تحتسب أجورهم في البيانات المالية؛ ما يؤثر في حجم إسهامهم في الاقتصاد الوطني، وخاصة في ظل عدم دفعهم ضرائب على دخولهم، إضافة إلى أنه لا يمكن إدراجهم في أنظمة الرعاية الاجتماعية الرسمية للدولة، التي تحتاج إلى معرفتها كي تتمكن من رصد حجم الإنفاق الحكومي في موازناتها العامة على القطاعات الاجتماعية. ومن جهة أخرى، فإن تفشي الاقتصاد غير المنظم يتسبب في آثار سلبية على العامل نفسه؛ مثل قبوله بأجور متدنية، وعمله لساعات كثيرة، وفي ظروف غير لائقة، وقد يتعرض إلى التمييز المبني على أساس الجنس أو العرق أو العمر أو الدين، كما أن هذا العامل لن يتمكن من نيل حقوقه وحقوق أبنائه في الصحة والتعليم والإسكان وغيرها؛ ما يعني أنه لن ينعم بمساواة مع أقرانه.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات