الانتخابات وأزمة السياسة في الكويت

فتوح هيكل: الانتخابات وأزمة السياسة في الكويت

  • 21 مايو 2008

توجه الناخبون الكويتيون، للمرة الثانية في أقل من عامين، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس الأمة (البرلمان) الجديد، خلفاً للمجلس السابق الذي قام أمير البلاد بحله في مارس/آذار الماضي على خلفية التوتر المتزايد بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وأظهرت النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات فوزاً كبيراً للتيار المحافظ بشقيه الإسلامي والقبلي؛ حيث نال الإسلاميون 21 مقعداً (مقارنة بـ 17 مقعداً في المجلس السابق) مع فوز قبليين ومحافظين بـ 12 مقعداً أخرى على الأقل، فيما تراجع نصيب الليبراليين إلى 4 مقاعد فقط، وحصد النواب القريبون من الحكومة نحو ثمانية مقاعد، كما حقق الشيعة، الذين يشكلون ما يقرب من ثلث عدد السكان، زيادة هامشية من 4 إلى 5 مقاعد، فيما احتفظت القبائل بنصيبها الأكبر وهو 24 (إسلاميين وقبليين) من أصل 50 مقعداً.

 وقد اختلفت الانتخابات الأخيرة عن سابقاتها في أكثر من مظهر؛ فهي الأولى التي جرت وفق الترتيب الجديد للدوائر الانتخابية، والذي قلص عددها إلى خمس دوائر انتخابية فقط بدلاً من 25، على النحو الذي طالبت به المعارضة بعد الانتخابات السابقة التي جرت عام 2006؛ إذ بات مطلوباً من نحو 361 ألف ناخب وناخبة (منهم 200 ألف امرأة) اختيار 50 نائباً، بواقع عشرة نواب عن كل دائرة، كما بلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 68.9% فقط، وهي أقل كثيراً من المعتاد، كذلك كان حجم التغيير في مقاعد المجلس ضئيلاً (في حدود 40%)؛ إذ احتفظ ما يقرب من ثلاثين نائباً من أصل خمسين بمقاعدهم. كما جرت هذه الانتخابات في جو غيم عليه الحزن إثر وفاة أمير الكويت السابق الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح الذي ينظر له الكويتيون بشكل أبوي، ويعتبرونه بطل التحرير في عام 1991؛ حيث كان ولياً للعهد آنذاك، وقد تم تعليق الحملات الانتخابية من جانب كافة المرشحين احتراماً ووفاءً لهذا الرجل.

 ورغم أن هناك من يرى أن نتائج هذه الانتخابات تصب في مصلحة الحكومة الكويتية، على أساس أن أغلبية الفائزين في هذه الانتخابات، سواء من القبليين أو الإسلاميين التقليدين، ليست لديهم أجندة سياسية ضد الحكومة، وهو ما يجعل هذا البرلمان أكثر انسجاماً وتعاوناً مع الحكومة من البرلمان السابق، فإن تلك النتائج تحمل أيضاً قدراً من عدم الارتياح للحكومة ولبعض المراقبين للوضع السياسي في الكويت؛ فمن ناحية فشلت المرأة الكويتية للمرة الثانية في الفوز بأي مقعد في البرلمان رغم أنها تمثل نحو 55.4% من إجمالي الناخبين؛ فمن بين 27 امرأة ترشحن للمجلس لم تفز أي منهن، وكانت أفضل نتيجة حققتها مرشحة "التحالف الوطني" أسيل العوضي التي حلت في المرتبة الثانية عشرة في الدائرة الانتخابية الثالثة، وهو ما يعكس استمرار التوجه المحافظ عند الناخبين الكويتيين، الذين يعتقدون على نطاق واسع أن المنصب البرلماني ولاية عامة لا يجوز للمرأة توليه.

 من ناحية أخرى، عكس فوز النائبين الشيعيين عدنان عبد الصمد وأحمد لاري، اللذين تسببت مشاركتهما في مارس/آذار الماضي في تجمع تأبيني للقيادي في حزب الله اللبناني عماد مغنية بحدوث موجة توتر طائفي آنذاك، وجود حالة من الاستقطاب والتوتر الطائفي في الكويت؛ حيث يرى بعض المراقبين أن تصعيد الحكومة الكويتية موقفها ضد هذين النائبين بسبب مسألة "مغنية" الذي تتهمه الحكومة بخطف طائرة كويتية والتسبب بمقتل مواطنين كويتيين في الثمانينيات هو الذي دفع الناخبين الشيعة إلى إعادة انتخابهما، وهو ما يمثل رسالة سلبية للحكومة. كما يخشى بعضهم انتقال حالة السجال والشحن الطائفي الذي يشهده الشارع الكويتي إلى داخل قبة المجلس، لاسيما مع فوز عدد من النواب المتشددين في الجانبين، مثل النائب محمد هايف المطيري الذي اشتهر بحملاته الإعلامية ضد الشيعة، والنائب الشيعي "المعمم" حسين القلاف، وغيرهم.

 من ناحية ثالثة، يشير إعادة انتخاب ما يقرب من 30 نائباً من المجلس المنحل، الذي أثار الخلاف مع الحكومة ودفعها إلى الاستقالة قبل قيام الأمير بحله، إلى احتمال عودة التوتر والخلاف مجدداً بين الحكومة والمجلس الجديد، لاسيما إذا بقي موقف الحكومة والنواب كما هو تجاه القضايا التي كانت موضع الخلاف في السابق. وكانت مؤشرات التأزم بين الطرفين قد بدأت بالظهور حتى قبل إجراء الانتخابات، عندما أعلن النائب "أحمد المليفي"، الذي أُعيد انتخابه، رفضه إعادة تكليف الشيخ ناصر المحمد الصباح بتشكيل الحكومة الجديدة، معتبراً أن تكليفه مجدداً سيشكل "مشروع تأزيم" بين المجلس والحكومة، وإن كانت تصريحات أخرى صدرت عن بعض النواب الذين أعيد انتخابهم قد كشفت عن رغبة أكبر في تجنب حدوث هذا التأزيم.

 لقد شهدت الكويت عبر تاريخها الحديث العديد من الأزمات السياسية نتيجة التوتر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ورغبة كل منهما في تطويع الأخرى لا التعاون معها؛ فالحكومة كثيراً ما تنظر إلى البرلمان باعتباره نداً قوياً لها، يعيقها عن العمل والإنجاز ويعطل خططها التنموية، أما البرلمان فلا يتردد في استخدام أدواته الرقابية والتشريعية لمواجهة ما يراه قصوراً أو ضعفاً أو تجاوزاً في أداء الحكومة أو بعض وزرائها. وكثيراً ما تسبب تمسك كل طرف بموقفه في اللجوء إلى الحلول الصعبة، المتمثلة في إقالة الحكومة أو حل البرلمان، وفي أغلب الأحيان كان اللجوء إلى حل البرلمان هو المخرج من الأزمة السياسية؛ فمنذ عودة الحياة النيابية في عام 1992، بعد الغزو العراقي للكويت، تم انتخاب خمسة مجالس نيابية، انتهت ثلاثة منها بالحل الدستوري، أعوام 1999 و2006 و2008.

 غير أن التوتر بين السلطتين تصاعد بشكل ملحوظ منذ الانتخابات التي جرت في عام 2006، والتي أعادت معظم أعضاء المعارضة في المجلس الذي تم حله آنذاك إلى مقاعدهم في مجلس الأمة، وهو ما منحهم، على ما يبدو، مزيداً من القوة في مواجهة الحكومة، ودفعهم إلى زيادة دورهم الرقابي؛ حيث تم تقديم سبعة استجوابات للوزراء خلال فترة عمل البرلمان السابق، الذي لم يتجاوز عمره العامين، وأدت تلك الاستجوابات إلى استقالة خمسة وزراء اتهمهم النواب بالضعف والفشل أو بالفساد، وهم: وزير الإعلام محمد السنعوسي، ووزير النفط الشيخ علي الجراح الصباح، ووزيرة الصحة معصومة المبارك، ووزير المالية بدر الحميضي، ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عبدالله المعتوق. كما أقدمت الحكومة الكويتية على تقديم استقالة جماعية في مارس/آذار 2007 لتفادي تصويت بحجب الثقة عن وزير الصحة الشيخ أحمد العبد الله الصباح، وتم تشكيل حكومة جديدة.

 هذه الأزمات المتكررة بين مجلس الأمة والحكومة هي مظاهر أو تجليات لأزمة هيكلية في النظام السياسي الكويتي، الذي يقوم على صيغة الحكم المشترك بين الشعب ممثلاً في البرلمان وبين الأسرة الحاكمة التي يمثلها أمير البلاد، وبالتالي فإن أي توتر بين هذين الطرفين سينعكس سلباً على كفاءة أداء النظام السياسي برمته، ولاسيما أن رئيس الحكومة عادة ما ينتمي للأسرة الحاكمة. ويرى المراقبون أن علاج هذه الأزمة الهيكلية يكمن في عاملين أساسيين؛ الأول: تعيين رئيس للحكومة من خارج الأسرة الحاكمة، وتقليل عدد وزراء الأسرة الحاكمة في التشكيل الوزاري؛ حيث سيؤدي ذلك إلى انتفاء الحساسية في تعامل البرلمان مع الأسرة الحاكمة أو تعامل الأخيرة معه؛ لأن الحاصل الآن أن أي استجواب يوجه إلى وزير من الأسرة الحاكمة ينظر له على أنه تحد لها، رغم أن ذلك يمثل في جوهره إعمالاً لآليات أقرها الدستور لأعضاء البرلمان للرقابة على السلطة التنفيذية. والثاني: إقرار نظام للأحزاب السياسية في الكويت، فمن الأسهل والأفضل للحكومة التعامل مع المجموعات السياسية بدلاً من التعامل مع الأفراد.

 لقد شوهت الخلافات والأزمات السياسية المتكررة بين الحكومة ومجلس الأمة مظهر التجربة الديمقراطية الرائدة في الكويت، وجعلت بعض المراقبين يشيرون إليها بشكل سلبي، ويحذرون من خطورة تكرارها في باقي دول المنطقة، وبالتالي أصبح من الضروري إعادة النظر في بعض آليات هذه التجربة، وإعادتها كما كانت قدوة ونموذجاً يستلهمه الآخرون. ويمثل انتخاب مجلس الأمة الجديد وتشكيل الحكومة الجديدة فرصة مهمة لبدء مرحلة من التعاون والعمل المشترك بين الطرفين لخدمة مصالح المواطن الكويتي، الذي يتطلع بكل تأكيد إلى وضع حد للخلافات المستمرة بين النواب والحكومة وما نتج عن ذلك من تعطيل لمشاريع التنمية وتغييب للشأن الداخلي.

Share