الانتخابات النصفية للكونجرس: أيّ تأثير على إسرائيل والفلسطينيين؟!

  • 22 نوفمبر 2010

اضطر الرئيس الأمريكي باراك أوباما للاعتراف بالتحول الجديد الذي طرأ على بنية الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي التي جرت في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري (2010)، وأعلن أنه يتحمل المسؤولية كاملة عن خسارة حزبه (الديمقراطي) في هذه الانتخابات؛ حيث حصل الحزب الجمهوري على الأغلبية في مجلس النواب (المكوّن من 435 عضواً)، فأصبح في المجلس 240 جمهورياً، مقابل 185 ديمقراطياً، أما في مجلس الشيوخ (المكوّن من 100 عضو) فقد تمكن الديمقراطيون من الاحتفاظ بالأغلبية، ولكن أصبح المجلس يتكون من 52 ديمقراطياً و46 جمهورياً، ومستقليْن اثنين.

وإذا كان الرئيس أوباما قد رأى أن الانتخابات تظهر شعور الشعب الأمريكي بالإحباط الشديد بشأن وتيرة تعافي الاقتصاد، فإنه أكد أن هذه الخسارة لا تعني رفض الشعب الأمريكي لأجندته، فيما تعهد الجمهوريون بممارسة سلطاتهم في الكونجرس الجديد لإلغاء بعض القوانين والتشريعات التي أصدرها أوباما، وبيّنوا أن نتيجة انتخابات التجديد النصفي تشكّل رسالة إلى أوباما لتغيير المسار؛ حيث اتهم الجمهوريون أوباما والديمقراطيين الذين كانوا يهيمنون على الكونجرس بمجلسيه، بانتهاج سياسات باهظة التكاليف دون حل القضايا التي تؤرق الأمريكيين.

في هذه المواجهة الداخلية، لم تظهر في نتائج الانتخابات أي تأثيرات حقيقية في السياسة الخارجية، ولم يبرز أي مؤشر مباشر يُذكر على تغيير النهج إزاء إسرائيل والفلسطينيين. ومن المعروف أنه ليس لمجلس النواب التفويض أو الصلاحيات الدستورية للانشغال في تصميم السياسة الخارجية، إلا من جانب الميزانية (مع أن الصلاحيات هنا هائلة). ومع أن طريقة الحكم الأمريكية توازن بين الأذرع، لكن تجدر ملاحظة أن للرئيس قوة فائضة؛ لأنه وحده المنتخب من الجمهور بأسره، وليس كالسناتور الذي انتخب في ولايته، أو عضو الكونغرس الذي يمثل مقاطعته وكتلته. هذا فضلاً عن أنه توجد في يد الرئيس قوة تنفيذية للمبادرة ولتوجيه الرأي العام.

وبمقدار ما يتعلق الأمر بالوضع الجديد، يمكن ملاحظة أن فقدان أوباما الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب سيجعل يديه مقيدتين في كل ما يتعلق بالشؤون الداخلية، على غرار حالتي رونالد ريغان وبيل كلينتون. لكن استمرار الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ سيترك في يد سيد الأبيض قوة لا يستهان بها. ومن المقدّر أن تُوظف هذه القوة في اتجاهين؛ الأول، مواصلة المبادرة في مجال السياسيات الداخلية والخارجية، والثاني، محاولة التصدي للأغلبية الجمهورية في مجلس النواب.

على هذه الخلفية، يبدو أن السياسة الخارجية الأمريكية ستتصف في المدى المنظور باختلاط الرؤى وبعدم وضوح المشهد. لكن منحاها العام يتمثل بترجيح استبعاد حدوث تغيرات جذرية فيها، وضمناً بخصوص منطقتنا ومشكلاتها.

وإذا كان أوباما يتطلع لتحقيق السلام في الشرق الأوسط قبل نهاية فترة ولايته، فإنه في الفترة الراهنة سيجد نفسه مستغرقاً في الوضع الداخلي، وسيواجه صعوبات جمة في سن التشريعات والتمويل للموضوعات الكبرى، مع اشتداد ضغوط الجمهوريين عليه لكي يصل إلى انتخابات 2012 منهكاً. وفي هذه الظروف سينشغل أوباما بعملية الخروج من العراق وبكيفية التخلص من الورطة في أفغانستان، وبالتالي من المرجح أن يفكّر بتأجيل أي معالجة "جذرية" للصراع العربي- الإسرائيلي، وللمشروع النووي الإيراني. وعندئذ ستظهر الفجوة الهائلة بين قدرة أوباما الخطابية ووعوده في خطابي تركيا ومصر وبين قدرته الفعلية على العمل، وستتضح حقيقة أن أوباما لا يملك قدراً كافياً من القوة للتغلب على هذه الفجوة.

وعلى الرغم من تداول مصطلح "العام القادم هو عام الحسم"، لإقامة الدولة الفلسطينية ولجم برنامج إيران النووي، فإن هناك إدراكاً مشتركاً بين أوباما ونتنياهو للحالة الجديدة. فبعد قص جناحي أوباما في ختام النصف الأول من ولايته، يفترض أن يكرس نصفها الثاني لعدم تراجع حزبه، وهذا ما يجعل من الصعب مواصلة النهج الحالي، في الموضوعين الفلسطيني والإيراني. ناهيك عن أن الأوضاع الذاتية في النطاقين الأمريكي والإسرائيلي توحي بأن أوباما ونتنياهو سيواجهان مزيداً من الصعوبات لاتخاذ القرارات والمواجهات، وهو ما قد يضطرهما للتفكير بترحيل حلول المشكلات وتمرير الزمن حتى نهاية الولاية لكل منهما، مع الحفاظ على وتيرة العمل الحالية. 

وبالتركيز على الموقف الإسرائيلي، لا شك أنه سيستمر في تحريض إدارة أوباما لتصعيد أدائها ضد إيران، بالتوازي مع السعي للتحرر من أي ضغوط أمريكية على إسرائيل في الموضوع الفلسطيني والتعايش مع تلميحات إدارة أوباما بالاستياء من السياسة الإسرائيلية. ولكن الإشكالية الكبرى في هذه الثنائية ستتجلى بالتناقض بين أمل حكومة نتنياهو بأن يكون ضعف أوباما جيداً لإسرائيل في الشأن الفلسطيني، وخشيتها في الوقت ذاته من احتمال أن يحول هذا الضعف دون خطوات عملية أخرى في الشأن الإيراني.. وإلى الآن لا تظهر قرائن على سبل حل هذه الإشكالية، خارج نطاق استخدام اللوبي الصهيوني.

وعلى جبهة الكونجرس الجديد، وعلى الرغم من أن الجمهوريين لا يحرصون على دعم إسرائيل أكثر من الديمقراطيين، وليسوا متحمسين أكثر منهم ضد إيران، فإن من المؤكد أن إسرائيل لن تكتفي بالاطمئنان للانطباع الأولي بأن أعضاء الكونجرس الجدد يؤيدونها تلقائياً، بشكل مبدئي، باعتبار أن تيار التأييد الجمهوري لإسرائيل كان ولا يزال جارفاً ومتماسكاً. بل ستعنى الدبلوماسية الإسرائيلية بأمرين رئيسين؛ أولهما، وضع هؤلاء الأعضاء في صورة الأوضاع والتحديات القائمة في المنطقة، لزيادة دعمهم لإسرائيل، أو على الأقل لضمان عدم تبنيهم أي موقف انتقادي ضدها. وثانيهما، العمل – بصورة مباشرة أو عبر اللوبي – لتنفيذ تعيينات تكون مريحة لإسرائيل في مجلس النواب. وتتجه الأنظار، مثلاً، نحو روس ليتينان، المؤيدة بشدة لإسرائيل، لتعيينها في منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية. وبالنسبة للديمقراطيين، حتى لو تقلص عددهم، تدرك إسرائيل أن وزن اليهود بينهم سيبقى على حاله.

في هذه البيئة المعقدة، تأتي زيارة نتنياهو للولايات المتحدة، للمشاركة في المؤتمر السنوي للمنظمات اليهودية الأمريكية، لتضيف حداً آخر لمعادلة استشراف المستقبل. فمن المفترض أن يسعى نتنياهو للبحث عن "صيغة مشتركة" بين حكومته وإدارة أوباما في المرحلة القادمة، ولعل أول ما سيوضحه نتنياهو أن المساعدات المالية والعسكرية الأمريكية لإسرائيل تأتي على قاعدة التحالف الاستراتيجي بين الطرفين، وأنها لا تبرر الضغوط الأمريكية لتقديم تنازلات للفلسطينيين. كما سيبين نتنياهو أنه إذا كان هناك اضطرار لتقديم مقترحات أمريكية جديدة بشأن المفاوضات مع الفلسطينيين، فعلى الأقل يجب ألا تسبب هذه المقترحات إحراجاً للعلاقة الأمريكية-الإسرائيلية. وسيكون حاضراً في ذهن نتنياهو أن اللوبي لن يدع أوباما طليق اليدين في كتابة تلك المقترحات.

حيال هذا الاحتمال، من المتوقع أن تجري إدارة أوباما تعديلاً رئيساً في توجهاتها بشأن عملية السلام، يكون مقبولاً للطرف الإسرائيلي ومفروضاً على الطرف الفلسطيني، يتلخص باختبار إمكانية التوصل لاتفاقات جزئية حول الحدود والدولة الفلسطينية المؤقتة، وترك بقية الموضوعات الجوهرية للمستقبل، بدلاً من مواصلة اعتماد نهج الاتفاق النهائي والشامل.

وارتباطاً بذلك، من غير المستبعد أن تلجأ إدارة أوباما إلى تغيير مبعوثها للمنطقة جورج ميتشل، الذي تتعاظم التخمينات بأنه استنفد طاقته دون تحقيق نقلة نوعية في المفاوضات المباشرة التي تعثرت بعد الموقف الفلسطيني الأخير الذي ربط استئنافها بتجميد الاستيطان. وترشّح الأوساط الإسرائيلية بديلاً له السفير الأمريكي السابق في إسرائيل، مارتن إينديك، انسجاماً مع ميول دنيس روس( رجل البيت الأبيض ورئيس "معهد تخطيط السياسة للشعب اليهودي") الذي يعارض الضغط الذي مارسته الإدارة الأمريكية على إسرائيل، بدعوى أن "هذا الضغط لن يحقق غرضه"، ويرى أنه يجب محاولة "السير مع الإسرائيليين وتفهمهم أكثر".

وهنا يتصدر بيتُ القصيد المقيت المنازلة غير المتكافئة، معبّراً عن نفسه بمطالبة الفلسطينيين مجدداً بتقديم مزيد من التنازلات والاستسلام للقيود، مع تجاهل تام لحقيقة أن علاقات القوى الحالية لن يكتب لها الخلود. 

Share