الانتخابات الكويتية: قراءة في النتائج والدلالات

  • 16 فبراير 2012

للمرة الثانية في أقل من عام، والثالثة خلال ثلاث سنوات، توجه الناخبون الكويتيون يوم 16 مايو/أيار الجاري (2009) إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس الأمة (البرلمان) الجديد، خلفاً للمجلس السابق الذي اضطر أمير الكويت إلى حله في نهاية مارس/آذار الماضي بعد تزايد التوتر بين البرلمان والحكومة بشكل دفع الأخيرة إلى تقديم استقالتها. وقد كشفت نتائج هذه الانتخابات، التي اقتربت نسبة المشاركة فيها من الـ 60 بالمائة، عن العديد من المؤشرات والدلالات المهمة، ليس فقط فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان التي شابها التوتر لسنوات عدة، وإنما فيما يتعلق بمسيرة التطور الديمقراطي في الكويت بشكل عام أيضاً.

وتمثل أول هذه المؤشرات وأهمها في النجاح اللافت الذي حققته المرأة الكويتية في هذه الانتخابات؛ فمن بين 16 امرأة ترشحن للانتخابات من إجمالي 210 مرشحين، تمكنت أربع سيدات من دخول البرلمان للمرة الأولى في تاريخ الكويت، وبنسبة 8% من إجمالي عدد الأعضاء البالغ 50 عضواً، وهي نسبة تعد متقدمة مقارنة بالدول العربية؛ حيث يبلغ متوسط تمثيل المرأة في البرلمانات العربية 4.6% فقط، وفقاً لبعض الإحصاءات. وجاء تحقيق المرأة الكويتية لهذا الإنجاز بعد أربع سنوات فقط من منحها حق الترشيح والتصويت ليبعث رسالة قوية من الناخبين مفادها أن المرأة يجب أن تشارك في صنع القرارات ووضع السياسات العامة، وأنها باتت مؤهلة لخوض معترك السياسة جنباً إلى جنب مع الرجل.

ولم يكن نجاح المرأة في الانتخابات هذه المرأة أمراً صعباً، فالنتائج التفصيلية تكشف أن مرشحتين من السيدات الأربع اللاتي فزن في الانتخابات حققن مراكز متقدمة على حساب عدد من أقطاب السياسة الكويتية المخضرمين؛ فالوزيرة معصومة المبارك جاءت في المركز الأول في دائرتها، فيما حلت الأكاديمية أسيل العوضي في المركز الثاني في الدائرة الثالثة التي كان يغلب عليها الاتجاه المحافظ متقدمة على شخصيات سياسية مخضرمة مثل النائب أحمد السعدون، وحلت الليبرالية رولا دشتي في المركز السابع في هذه الدائرة، بينما جاءت سلوى الجسار في المركز العاشر. والأهم من ذلك أن هذا الفوز جاء في ظل منافسة حرة ومفتوحة مع الرجال، ودون اللجوء إلى تطبيق نظام الكوتا الذي طولب به لتمكين المرأة من دخول المجالس التشريعية، وهو ما يشير إلى أن تأثير التيارات الدينية المتشددة والقبلية المحافظة التي كانت تقف ضد وصول المرأة للبرلمان في السابق بدأ يتراجع على الساحة الكويتية.

ويمثل هذا النجاح الذي حققته المرأة الكويتية مؤشراً مهماً على تطور الوعي السياسي لدى الناخبين في مجتمع محافظ توجد فيه تيارات قوية ترفض فكرة المشاركة السياسية للمرأة، كما أنه يمثل خطوة مهمة في مسيرة التطور الديمقراطي في الكويت؛ فلسنوات عديدة ظلت التجربة الديمقراطية الكويتية العريقة في المنطقة تعاني من نقطة ضعف خطيرة، وهي غياب نصف المجتمع، ممثلاً في المرأة، عن المشاركة السياسية، وبالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الحكومة الكويتية لتفادي هذا الضعف، فإن تلك الجهود كانت دائماً ما تصطدم بعقبات عدة، أبرزها الموقف المتشدد الذي كانت تتبناه التيارات المحافظة، ورفض البرلمان إقرار قانون حقوق المرأة السياسية في أكثر من مرة، حتى تمكنت الحكومة من تمرير هذا القانون في 16 مايو/أيار 2005، بشكل سمح للمرأة بالمشاركة في انتخابات عامي 2006 و2008، لكنها لم تتمكن من تحقيق أي فوز فيها، وتحقق هذا الإنجاز في الانتخابات الأخيرة، لتكلل المرأة الكويتية مسيرتها النضالية بنجاح، وتتجاوز هذه التجربة الديمقراطية العريقة إحدى العقبات الرئيسية التي اعترضت تطورها.

ولاشك في أن وجود المرأة تحت قبة البرلمان من شأنه أن يساعد على طرح قضايا جديدة، غير أن مهمتها لن تكون سهلة بحسب عدد من المحللين والخبراء؛ فالسيدات الأربع اللاتي دخلن المجلس سيقع عليهن عبء إثبات قدرة المرأة الكويتية على المشاركة الفاعلة في طرح قضايا المجتمع ومناقشتها، وبقدر النجاح الذي سيحققنه ستكون قدرتهن على إقناع الرأي العام بأهمية الاستمرار في دعم دور المرأة السياسي وتفعيله في المستقبل، كما أن المرأة قد تتعرض لضغوط وانتقادات من التيارات المحافظة داخل البرلمان، وتظهر مؤشرات ذلك في الخبر الذي نشرته بعض الصحف الكويتية مؤخراً حول نية بعض النواب الإسلاميين التصعيد ضد النائبات غير المحجبات بدعوى أن ذلك يخالف الضوابط الشرعية.

ومن المؤشرات الأخرى المهمة التي كشفتها نتائج هذه الانتخابات تراجع التيار الإسلامي السني الذي يُتهم بالوقوف وراء كثير من محطات التوتر والمواجهة بين البرلمان والحكومة في الفترة الماضية، ؛ إذ فاز "التجمع الإسلامي السلفي" بمقعدين في مقابل أربعة مقاعد كانت له في البرلمان السابق، فيما فازت "الحركة الدستورية الإسلامية" (الإخوان) بمقعد واحد مقارنة بثلاثة مقاعد في البرلمان السابق، وبلغ إجمالي عدد المقاعد التي فقدها الإسلاميون السنة ومؤيدوهم عشرة مقاعد؛ حيث فازوا بـ11 مقعداً في مقابل 21 مقعداً في البرلمان السابق، وكان لافتاً أن عدداً من الذين فازوا من هذا التيار جاؤوا في المراتب الأخيرة بين الفائزين خلافاً لما كان في السابق حينما كانوا يأتون في المراتب الأولى، وهو ما يرجعه بعض المحللين إلى تحول الرأي العام عنهم بعد تسببهم في كثير من التوتر مع الحكومة السابقة.

في المقابل رفع الليبراليون عدد مقاعدهم في البرلمان من 7 مقاعد إلى ثمانية، كما نجح الشيعة في رفع عدد مقاعدهم من خمسة إلى تسعة مقاعد، مخترقين دوائر ذات أغلبية سنية، وهناك من يرى أن هذا التقدم الذي حققه الشيعة جاء على حساب التيار المحسوب فكرياً على إيران ولمصلحة شيعة مستقلين، ولم تحدث تغييرات كبيرة في حصص القبائل (25 مقعداً) التي سبق أن حددت أسماء نوابها في انتخابات سرية جرت قبل أسبوعين من الانتخابات البرلمانية مع وجود تغيير ملحوظ في الوجوه. وبشكل عام بلغ عدد الأعضاء الجدد الذين دخلوا البرلمان 21 نائباً بنسبة تغيير بلغت نحو 42%.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية التي حملتها نتائج الانتخابات الكويتية، فإن هناك من المراقبين من رأى أنها لا تشكل ضمانة كافية لمنع تكرار الأزمات السياسية المتكررة بين البرلمان والحكومة، والتي كان لها تأثيرها السلبي الواضح على خطط التنمية الاقتصادية في الكويت؛ إذ تسببت هذه الحالة من التأزم السياسي في تعطيل العديد من القرارات والمشروعات التنموية المهمة، مثل مشروع مصفاة النفط الرابعة، ومشروع الشراكة مع شركة "داو كيميكال" الأمريكية المتخصصة في الصناعات البتروكيماوية، وبرنامج "تحفيز الاقتصاد الكويتي ضد تداعيات الأزمة المالية العالمية"، والذي تعثر بسبب عدم موافقة البرلمان عليه. ويبرر هؤلاء المراقبون موقفهم بعوامل عدة، أهمها: نجاح من أطلقت عليهم وسائل الإعلام اسم "نواب التأزيم" وعودتهم إلى مجلس الأمة من جديد، وهو ما يعني إمكانية طرح القضايا الخلافية نفسها التي تسببت في حل المجلس السابق، إضافة إلى إعادة تكليف رئيس الحكومة السابق الشيخ ناصر المحمد الصباح بتشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما يرفضه عدد من النواب السابقين. كما أن دخول المرأة البرلمان يمكن أن يؤدي إلى رفع نبرة التشدد لدى معارضيها من النواب الإسلاميين والقبليين، الأمر الذي دفع عدداً من هؤلاء المراقبين إلى حد التنبؤ بأن يكون عمر المجلس الجديد أقصر من المجلس السابق الذي لم يزد عمره عن عدة شهور.

وكانت الكويت قد شهدت سلسلة الأزمات السياسية المتكررة بين البرلمان والحكومة، والتي انتهت إما بإقالة الحكومة أو بحل البرلمان؛ فمنذ تولي الشيخ ناصر المحمد مسؤولية رئاسة الوزراء قبل نحو ثلاث سنوات تم تشكيل خمس حكومات، لم يزد عمر الأخيرة منها عن 64 يوماً، تعاطت مع ثلاثة برلمانات، كما تم إجراء تعديل وزاري محدود على الحكومة مرتين، فيما تم حل البرلمان وفقاً للدستور ثلاث مرات في أعوام 2006 و2008 و2009، وهو أسرع معدل للتغيير الوزاري والبرلماني في المنطقة والعالم على الإطلاق.

لقد قطعت الكويت بعد الانتخابات الأخيرة خطوة إضافية مهمة في طريق تطوير تجربتها الديمقراطية العريقة في المنطقة بعد أن تمكنت المرأة الكويتية من دخول البرلمان بكفاءة واقتدار، والمأمول أن تدشن نتائج هذه الانتخابات مرحلة جديدة من التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بما يحقق الصالح العام للوطن والمواطنين، ويضع حداً للأزمات السياسية المتكررة بين الحكومة والبرلمان، والتي شوهت مظهر التجربة الديمقراطية الرائدة في الكويت، وعطلت كثيراً من مشروعات التنمية والتطوير.

Share