الانتخابات الفلسطينية: معضلة مشاركة حماس

الانتخابات الفلسطينية: معضلة مشاركة حماس

  • 26 ديسمبر 2005

لم يكن موقف الولايات المتحدة من مشاركة حركة "حماس" في الانتخابات الفلسطينية التشريعية المرتقبة جديداً، إذ كان يمكن لكل مراقب للأحداث أن يتوقع سلوكاً من هذا النوع، وعلى تلك الدرجة من الحدة والتشدد. غير أن موقف الاتحاد الأوروبي من القضية نفسها لم يكن متوقعاً إلى هذا الحد. وعلى الرغم من إشارات سابقة إلى التشدد تجاه "حماس" من جانب أوروبا، فإن الموقف الأوروبي التقليدي كان يميل إلى تشجيع انخراط كل الجماعات الفلسطينية في العملية السياسية، باعتباره طريقاً يقود في نهايته إلى التخلي عن "العنف"، ويخرج عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين من النفق المظلم الذي دخلته قبل سنوات.

فقد اتخذ مجلس النواب الأمريكي، في 15 ديسمبر/كانون الأول 2005، قراراً بأغلبية كبيرة، يحذر من مشاركة "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية المزمع إجراؤها في 25 يناير/كانون الثاني 2006، ويؤكد أن "هذه المشاركة سوف تقوض العلاقات مع واشنطن". ودعا القرار السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس إلى حل "المنظمات الإرهابية"، في إشارة إلى "حماس" التي صنفتها الولايات المتحدة "منظمة إرهابية" منذ العام 1997. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد انتقدت قبل قرار مجلس النواب بأيام قليلة مشاركة "حماس" في الانتخابات البلدية الفلسطينية، ووصف المتحدث باسم الخارجية الأمريكية "حماس" بأنها "ذات مواقف متناقضة، فهي منظمة إرهابية، غير أنها تسعى إلى المشاركة في العملية السياسية".

وبعد يوم واحد من قرار المجلس قال خافيير سولانا، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن الاتحاد قد يعيد النظر في المساعدات الأوروبية للسلطة الفلسطينية إذا فازت "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ولم تعلن تخليها عن "العنف". ويمثل هذا التهديد مشكلة حقيقية بالنظر إلى الحصة الكبيرة للاتحاد الأوروبي في تمويل السلطة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها السلطة الفلسطينية منذ سنوات. وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوربي اعتبر "حماس" بكل أجنحتها السياسية والعسكرية منظمة إرهابية منذ سبتمبر/أيلول 2003، فإن الموقف الذي عبر عنه خافيير سولانا يعد الأكثر تشدداً في هذا السياق.

وبصورة عامة فإن الموقف الجديد للاتحاد الأوروبي يمكن وضعه في سياق تقارب ملحوظ في المواقف والتوجهات بينه وبين والولايات المتحدة الأمريكية، تجلى في عدد من الملفات المهمة التي كانت مثار خلاف بين الجانبين. فقد شهدت أواخر العام 2002 وبدايات العام 2003 تصاعداً في الخلافات ووجهات النظر بين الأمريكيين والأوروبيين، أو على الأقل دول أوروبية فاعلة ومؤثرة مثل فرنسا وألمانيا، على خلفية المعالجة الأمريكية لقضيتي "الإرهاب" و"الحرب على العراق"، وشهدت الساحتان السياسية والإعلامية حملات متبادلة استخدمت فيها عبارات حادة غير معهودة. غير أن هذا الشقاق لم يستمر طويلاً، إذ عادت وجهات النظر إلى التقارب، وارتفع مستوى التنسيق بين الجانبين، ليسفر ذلك عن توافق حول قضايا كانت مثار خلاف من قبل، بدرجة أو بأخرى، مثل الملف النووي الإيراني، والأزمة السورية-اللبنانية، والمسألة العراقية.

ويرى مراقبون أن الموقف الأمريكي-الأوروبي بدا متسقاً مع التصور الإسرائيلي حيال مشاركة "حماس" في العملية السياسية الفلسطينية. فمنذ أعلنت "حماس" في منتصف مارس/آذار 2005 نيتها المشاركة في الانتخابات التشريعية توالت التصريحات شديدة اللهجة من الجانب الإسرائيلي، ووصلت إلى حد التهديد بالاغتيال، إذ أعلن مسؤولون إسرائيليون أن "على كل من يتقدم للترشيح باسم حماس أن يتخذ احتياطات أمنية، لأنه سيكون هدفاً للقتل". وهدد سيلفان شالوم وزير الخارجية الإسرائيلي، في مايو/أيار 2005، بأن "إسرائيل لن تمضي قدما في تنفيذ خطة الفصل إذا فازت حماس في الانتخابات التشريعية المقبلة"، وطالب شالوم السلطة الفلسطينية بأن "تبذل كل ما في وسعها لمنع حماس من المشاركة في الانتخابات".

وبصورة عامة، لا يمكن إغفال التوقيت الذي صدر فيه قرار مجلس النواب الأمريكي، وتصريحات خافيير سولانا. فقد أشار كثير من المراقبين والخبراء إلى أن هذا التصعيد ضد "حماس" يأتي في أعقاب الجولة الرابعة من الانتخابات البلدية الفلسطينية التي حققت فيها الحركة فوزاً ملحوظاً، إذ حصدت 50.5% من الأصوات فيها، متوجة بذلك معركة استمرت على مدى عام كامل، وكشفت في مجملها عن قوة "حماس" وقدراتها التنظيمية الكبيرة، وتراجع حركة "فتح" أمام شعبيتها في كثير من المناطق. وقد رصد متابعو الشأن الفلسطيني ارتباطاً وتزامناً بين جولات الانتخابات البلدية الفلسطينية السابقة وارتفاع نبرة التحذير من "حماس" التي تصدر عن الأمريكيين والإسرائيليين، غير أن حدة التصريحات هذه المرة تعود إلى حقيقة أن المرحلة الرابعة شهدت أكبر فوز تحققه الحركة قياساً إلى الجولات السابقة، كما تعود إلى اقتراب الموعد المحدد، حتى الآن، لإجراء الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006.

وغير بعيد عن الظروف السابقة يأتي تفاقم أزمة "فتح"، كبرى المنظمات الفلسطينية، وما شهدته الأيام الأخيرة من تصاعد لحدة الخلاف بين قادتها، وطغيان الانقسامات الداخلية، وظهور قوائم متنافسة تكشف عن أزمة مستحكمة داخل الفصيل الذي قاد العمل الفلسطيني منذ عقود، ويمسك أعضاؤه بمفاصل القرار في السلطة الفلسطينية. وتزيد الأزمة داخل "فتح" من فرصة "حماس" في تحقيق نصر كبير في الانتخابات التشريعية المقبلة حال أجريت في موعدها المحدد، لا سيما مع تصاعد الحديث عن الفوضى والفساد في أوساط السلطة الفلسطينية، الذي انعكس سلبياً على مختلف مظاهر النشاط والحياة. كذلك فإن حالة الركود السياسي التي استمرت طيلة العام 2005 سيكون لها تأثيرها، خاصة مع محدودية المكاسب التي تحققت للفلسطينيين، قياساً إلى الآمال التي ارتبطت بقيادة محمود عباس للعمل الفلسطيني، والقبول الذي كان يحظى به آنذاك لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي محاولات البحث عن مخرج، طُرحت على الساحة الفلسطينية غير مرة اقتراحات تأجيل الانتخابات التشريعية. وقد كررت الولايات المتحدة طلبها بهذا الشأن في عدد من المناسبات خلال الأشهر الماضية. وإزاء ذلك كانت "حماس" تتمسك دائماً بإجراء الانتخابات في موعدها، على اعتبار أن ذلك جزء من تفاهمات أبرمت عبر مفاوضات شاقة رعتها القاهرة، وارتضتها الأطراف الفلسطينية أطراً للعمل السياسي والوطني. ويعكس تمسك "حماس" بموعد الانتخابات المقررة شعوراً بالثقة، والقدرة على إحراز مكاسب مهمة، وثقة من جانب الحـركة في صعـوبة الموقف التنافسي لـ "فتح" في الوقت الراهن.

وتمسكت السلطة الفلسطينية في مواجهة القرار الأمريكي والتصريحات الأوروبية بموقف مبدئي، يؤكد على أن "المشاركة في الانتخابات حق للجميع، وأن السلطة لا يمكنها إجراء انتخابات ديمقراطية إذا تم منع أي طرف من المشاركة". وبدا الرئيس الفلسطيني محمود عباس رافضاً لخيار تأجيل الانتخابات، إذ أعلن أن الانتخابات سوف تجرى في موعدها إلا في "حال وفاته"، على الرغم من كل المشكلات التي تواجهها "فتح". ويعكس موقف عباس محاولة للتمسك بالمواقف المبدئية، وتثبيت صورته التي يحرص عليها باعتباره قائداً إصلاحياً يحاول تجاوز تراث الماضي الفلسطيني بما فيه من "انفرادية وحرص على مركزية القرار"، وهي التهم التي كانت توجه تقليدياً إلى سلفه الراحل ياسر عرفات.

يبدو أن الأيام المقبلة ستشهد تطورات حاسمة إزاء موعد الانتخابات التشريعية المنتظرة وحيال مشاركة "حماس" تحديداً، وهو الأمر الذي سيفتح الباب، على الأرجح، لمفاوضات قد تسفر عن حلول وسط تضمن مشاركة كافة القوى الفلسطينية الفاعلة في الانتخابات، كما ترضي الجانب الآخر بحلول مرحلية كإصدار بيانات ترجح الانخراط في العملية السياسية على استخدام "العنف"، أو تكرس للـ "هدنة" وفترات من التهدئة على حساب اعتماد وسائل "الكفاح المسلح".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات