الانتخابات العُمانية.. تقييم التجربة ومتطلبات التطوير

فتوح هيكل: الانتخابات العُمانية.. تقييم التجربة ومتطلبات التطوير

  • 1 نوفمبر 2007

شهدت سلطنة عُمان يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي (2007) عُرسها الديمقراطي المتمثل في انتخابات الدورة السادسة لمجلس الشورى العُماني؛ حيث توجه أكثر من 388 ألف ناخب وناخبة للإدلاء بأصواتهم لاختيار ممثليهم الـ84 في المجلس خلال السنوات الأربع المقبلة (2008/2011)، من بين نحو 631 مرشحاً، في انتخابات أشاد كثيرون بنزاهتها وهدوئها رغم كثافة المشاركة الجماهيرية التي شهدتها عملية الاقتراع.

 وقد عكست النتائج التي أسفرت عنها هذه الانتخابات أكثر من دلالة مهمة بالنسبة للمسيرة الديمقراطية، ليس فقط في سلطنة عُمان بل في منطقة الخليج العربي ككل. وتتمثل أولى هذه الدلالات في استمرار سيطرة البعد القبلي العائلي على غيره من الأبعاد والاعتبارات الأخرى العلمية والمهنية في تحديد خيارات الناخبين، فقد أظهرت النتائج أن معظم الفائزين بمقاعد المجلس إما أنهم يتمتعون بروابط قبلية قوية أو أنهم من رجال الأعمال المعروفين في السلطنة، ولا يقلل من ذلك تصريحات وزير الداخلية العُماني "سعود البوسعيدي" الذي نفى أن تكون الاعتبارات القبلية هي التي كانت لها الغلبة في تحديد نتائج انتخابات مجلس الشورى مقارنة باعتبارات الكفاءة العلمية، فالمعروف والثابت لدى الجميع، أنه رغم التطورات الجذرية التي شهدتها دول الخليج بشكل عام، ومن بينها سلطنة عُمان، والتي انتقلت بهذه الدول إلى مرحلة الحداثة خلال العقود الثلاثة الماضية، لم تستطع أن تتخلص من سيطرة الاعتبارات القبلية داخل مجتمعاتها، فما زالت هذه الاعتبارات هي المتحكمة في مجمل العلاقات الاجتماعية والثقافية، وهي المحددة للتوجهات السياسية لمعظم مواطني دول الخليج، والالتزام القبلي يفرض على أبناء هذه القبيلة أو تلك أن تصوت لأبنائها دون النظر إلى اعتبارات الكفاءة والمهنية، وهو ما ينعكس غالباً على أداء المجالس التشريعية والمحلية المنتخبة، الأمر الذي جعل بعض دول المنطقة تلجأ للأخذ بأسلوب الجمع بين الانتخاب والتعيين في تشكيل هذه المجالس حتى تضمن توافر عنصر الخبرة والكفاءة المهنية فيها بما يساعدها على القيام بالأدوار المنوطة بها بشكل جيد وبناء.

 وترتبط الدلالة الثانية بفشل المرأة العُمانية في الوصول إلى مجلس الشورى الجديد؛ حيث لم تتمكن أي من الـ 21 امرأة اللاتي ترشحن في هذه الانتخابات من الفوز بأي مقعد رغم الحضور اللافت الذي سجلته المرأة العُمانية كناخبة بمعظم الولايات، وهو ما يمثل انتكاسة لها مقارنة بالانتخابات السابقة التي جرت عام 2003، والتي نجحت فيها امرأتان في الفوز بعضوية المجلس، وهي نتيجة جاءت مخيبة لآمال الكثيرين الذين توقعوا أن تعزز المرأة العُمانية مكانتها السياسية في هذه الانتخابات لا أن تتراجع، لاسيما في ضوء الخبرة التي اكتسبتها في هذا الصدد منذ حصولها على حقها الكامل في الترشح والتصويت.

 غياب المرأة العُمانية عن مجلس الشورى القادم ليس استثناء عن الوضع العام في منطقة الخليج العربي؛ حيث تتعثر المرأة الخليجية في الوصول إلى المجالس النيابية المنتخبة بشكل مباشر من المواطنين، وما زالت نسبة تمثيلها محدودة جداً في هذه المجالس، نتيجة سيطرة بعض التقاليد القبلية والدينية التي تضع المرأة في نطاق ضيق ولا تقبل بتمثيلها للرجل في البرلمان؛ ففي الكويت على سبيل المثال فشلت 28 مرشحة لانتخابات مجلس الأمة الأخيرة التي جرت عام 2006 في الفوز بأي مقعد نيابي، رغم أن 57% ممن  يحق لهم التصويت في الكويت من النساء. وفي البحرين لم تفز إلا امرأة واحدة في الانتخابات الأخيرة، وجاء فوزها عن طريق التزكية، وفي الإمارات فازت امرأة واحدة أيضاً في الانتخابات النصفية التي جرت مؤخراً من بين 165 مرشحة، وكذلك الحال في الانتخابات البلدية التي جرت في قطر عام 2003؛ حيث فازت امرأة واحدة وبالتزكية أيضاً، أما في السعودية، فلم يسمح للمرأة بخوض الانتخابات البلدية الجزئية التي جرت عام 2005 تصويتاً أو ترشيحاً.

وقد دفع هذا الوضع كثيراً من المسؤولين والخبراء إلى المطالبة بتطبيق نظام "الكوتا النسائية"، أي تخصيص نسبة معينة من مقاعد المجالس النيابية لها، وهو الأمر الذي لم يستبعده وزير الداخلية العُماني، قائلاً: " إن نظام الكوتا المعمول به في بعض الدول يمكن أن يدرس، ولكن في الوقت الحاضر نرى أنه يجب على كل مرشح أن يأخذ طريقه إلى عضوية المجلس بجهده من خلال الانتخاب المباشر". وقد يكون الأخذ بنظام الكوتا هو الأنسب للخروج من أسر التقاليد القبلية التي تقلل من قيمة المرأة وتحول دون وصولها للمجالس التشريعية رغم الدعم القوي لها من جانب الحكومات.

 وتتعلق الدلالة أو الملاحظة الثالثة بأداء مجلس الشورى نفسه، فرغم التطور الذي شهده المجلس منذ تأسيسه عام 1991، إلا أن صلاحياته سواء على الصعيد التشريعي أو الرقابي مازالت محدودة، فهو مجلس استشاري تقتصر صلاحياته، وفقاً لنظامه الأساسي، على إبداء الرأي والمناقشة ورفع التوصيات، ولا يملك سلطة الرقابة الشعبية القادرة على التأثير في القرارات السياسية والاستراتيجية المتعلقة بشؤون الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، وهو لا يقترح مشروعات القوانين وإنما يراجعها قبل اتخاذ إجراءات إصدارها ويصدر توصيات بشأنها، وله حق توجيه الأسئلة وتقديم الرغبات للحكومة في الأمور المتعلقة بالخدمات والمرافق العامة، وفي جميع الأحوال فإن قراراته وتوصياته ما زالت تمثل توجيهات عامة غير ملزمة للحكومة.

ولا يقلل ذلك كثيراً من أهمية التجربة الديمقراطية العُمانية، فسلطنة عُمان كانت من أولى دول المنطقة التي أخذت بالاقتراع الحر المباشر كأسلوب لتشكيل مجلس الشورى، وكانت أول دولة خليجية تمنح المرأة حقها السياسي كاملاً في التصويت والترشح للانتخابات، وعدم فوز المرأة في هذه الانتخابات لا يقلل من أهمية دورها السياسي؛ فقد شاركت بفاعلية وكثافة في عملية التصويت، وحققت النساء المرشحات نتائج جيدة وضعت بعضهن في الترتيب الثاني أو الثالث في بعض الولايات، كما تتمتع المرأة بمكانة سياسية مهمة في عُمان؛ فهناك على سبيل المثال، تسع عضوات في مجلس الدولة المعين، وهناك ثلاث وزيرات وسفيرتان، وهو ما يعكس حرص السلطنة على تمكين المرأة سياسياً.

 ولم تخل الانتخابات العُمانية الأخيرة من الإيجابيات؛ فمن بين 63 عضواً من أعضاء مجلس الشورى السابق رشحوا أنفسهم، أُعيد انتخاب 38 عضواً فقط فيما تم انتخاب 46 عضواً جديداً، وهو ما يعكس درجة واضحة من التغير في هيكل عضوية المجلس، كما شهدت الانتخابات إقبالاً جماهيريا ملحوظاً؛ حيث وصلت نسبة المشاركة إلى 62.7%، ورغم أنها أقل من نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة والتي بلغت نحو 80%، فإنها تظل مرتفعة وتعكس قدراً مهماً من الوعي الجماهيري بأهمية المشاركة السياسية. علاوة على ذلك فإن الحرص على إجراء الانتخابات في موعدها وتنظيمها بشكل جيد من شأنه أن يعزز من الثقافة الانتخابية في المجتمع العُماني، الأمر الذي يمكن أن يقلل من غلبة الاعتبارات القبلية مستقبلاً.

لقد قدمت سلطنة عُمان تجربة فريدة في الإصلاح السياسي اتسمت بالتدرج المدروس والهادئ، عكستها العديد من التطورات المهمة التي شهدتها السلطنة منذ تولي السلطان "قابوس" السلطة عام 1970، كان أبرزها: إصدار النظام الأساسي للسلطنة عام 1996، والذي تضمن آليات محددة لانتقال السلطة، وإنشاء مجلس الشورى، الذي شهد بدوره عدة تطورات مهمة؛ حيث تمت زيادة عدد أعضائه من 59 عضواً في مطلع التسعينيات بواقع ممثل لكل ولاية من ولايات السلطنة، إلى 84 عضواً حالياً بما يعني تحقيق تمثيل أوسع ومتوازن للمجتمع في ظل استمرار الزيادة السكانية، كما تم تطوير النظام الانتخابي بشكل متدرج، من نظام يقوم على أساس قيام هيئة محدودة من الناخبين تضم الشيوخ والوجهاء في كل ولاية بترشيح ثلاثة أسماء يختار السلطان أحدهم، إلى نظام الاقتراع الحر المباشر الذي يكفل حق التصويت والترشيح لجميع المواطنين، وهي خطوات متقدمة على طريق الإصلاح السياسي. ولكن هذه التجربة المتميزة في مجال الإصلاح السياسي والديمقراطي تبدو اليوم في حاجة إلى مزيد من الدفع والتطوير، لاسيما على صعيد تفعيل دور مجلس الشورى في العملية التشريعية والرقابية، فالانتخابات ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما هي آلية يتم من خلالها تمثيل الشعب في مؤسسات السلطة وإشراكه في صنع القرارات التي تحدد مصيره وترسم مستقبله، وهذا لن يتحقق إذا لم يملك المجلس المنتخب الصلاحيات التشريعية والرقابية التي تساعده على القيام بهذه المهام والأدوار التي يفترض أن يقوم بها.

Share