الانتخابات الرئاسية.. هل خصمت أم أضافت إلى رصيد الديمقراطية الأمريكية؟

  • 25 نوفمبر 2020

في الوقت الذي يؤكد فيه بعضهم أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة تعد خصمًا من رصيد النموذج الديمقراطي الأمريكي، يؤكد البعض الآخر أن هذه الانتخابات أكدت متانة هذا النموذج وقدرته على الصمود في مواجهة أي تحديات وأن مؤسسات النظام الديمقراطي الأمريكي تتمتع بالقوة والرسوخ.

يُعدّ النموذج الديمقراطي الأمريكي أحد النماذج الملهمة للديمقراطية الغربية، وهذا النموذج جعل من الولايات المتحدة أرض الأحلام، التي هاجر ويهاجر إليها كثيرون من دول مختلفة حول العالم سعيًا لتحقيق طموحاتهم الشخصية والحصول على حياة كريمة أو التمتع بالحرية التي حرموا منها في أوطانهم.

وقد جاءت الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت في الثالث من نوفمبر الجاري لتثير الجدل حول طبيعة النظام الديمقراطي الأمريكي في ظل رد فعل الرئيس دونالد ترامب المشكك في نزاهة النتائج التي أسفرت عنها هذه الانتخابات، وهو أمر غير مسبوق في التاريخ السياسي الأمريكي، وقد امتد تشكيك ترامب ليطال عددًا من المؤسسات التي اتهمها بالتواطؤ لمصلحة الديمقراطيين، وهذه تهمة خطيرة، فالمؤسسات المحايدة هي ركيزة أي نظام ديمقراطي، والتشكيك في نزاهتها يعني توجيه انتقادات مباشرة وفي الصميم لهذا النظام.

وفي ظل ما أدى إليه رد فعل ترامب تجاه العملية الانتخابية من جدل حول طبيعة النظام الديمقراطي الأمريكي، ذهب بعضهم إلى إدانة هذا النظام وكيل الاتهامات له، والحاصل أن هناك انتقادات معروفة توجه فعلًا إلى النظم الديمقراطية بشكل عام، ومنها النظام الأمريكي، على الرغم من التسليم في الوقت نفسه بأن هذه النظم هي الأفضل في جميع الأحوال، ومن بين هذه الانتقادات الدور المشبوه الذي يقوم به رأس المال، ولكن أن يصل الأمر إلى حد القول إن الانتخابات الرئاسية أثبتت فساد هذا النموذج، وأن ديمقراطية أمريكا باتت على غرار ديمقراطية العالم الثالث، فهذا تطرف شديد في الأحكام وقول مغلوط جملة وتفصيلًا.

وعلى عكس قول بعضهم إن الانتخابات الرئاسية أظهرت عوار النظام الديمقراطي الأمريكي، يمكن القول إن هذه الانتخابات قد أكدت متانة هذا النموذج ورسوخ مؤسساته، وهو ما يمكن تبيانه في ما يأتي:
– كان الرئيس ترامب يدرك، وفقًا للكثير من استطلاعات الرأي التي سبقت العملية الانتخابية أن فرص فوزه ضعيفة، وقد ألمح إلى أهمية تأجيل موعد الاستحقاق الانتخابي، وكان يرغب بشدة في ذلك، ولكنه لم يستطع حتى المطالبة به بشكل صريح، ولو كان ترامب رئيسًا لدولة غير ديمقراطية لاستطاع تأجيل الانتخابات أو حتى تعديل الدستور لكي يبقى في منصبه، ولكن هذه الأمور غير واردة في النظم الديمقراطية الرصينة.

– اللافت للنظر أن ترامب، وهو الرئيس الذي يتولى السلطة وبيده معظم مفاتيحها، هو الذي يشتكي ويقول إنه تعرض للظلم، وهذا أمر لافت للنظر، ففي النظم غير الديمقراطية، فإن الذي يشتكي هو المرشح المعارض وليس الرئيس الذي يتولى مقاليد السلطة، حيث يقوم الرئيس في العادة باستخدام سلطاته ونفوذه لتجيير نتائج الانتخابات لصالحه.

– على الرغم من كل هذا التشبث بالسلطة الذي يبديه ترامب، فإنه في نهاية المطاف، لن يكون بمقدوره فعل شيء، سوى اللجوء إلى القانون وليس إلى أي شيء أخر، وهو قام بذلك فعلًا، من خلال سيل الدعاوى القضائية التي رفعها مطالبًا بإعادة فرز الأصوات في بعض الولايات، وسيكون مضطرًا إلى تسليم السلطة ظهر يوم العشرين من يناير المقبل، سواء كان مقتنعًا بأنه هزم في الانتخابات أم لا، وإن لم يفعل ذلك طواعية فسيُكره عليه، وإذا رفض مغادرة البيت الأبيض فسيتم إخراجه بالقوة.

إذًا فالانتخابات الرئاسية الأمريكية قد أكدت جودة النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة ومدى رسوخه، وليس العكس، على الرغم من الهجمة الشرسة التي قادها الرئيس ترامب ضد هذه الانتخابات واتهامه الديمقراطيين بأنهم زوروها وسرقوها، وحتى قضية المجمّع الانتخابي التي تثار مع كل انتخابات لم تكن مطروحة هذه المرة كما كان الحال من قبل، ذلك أن جو بايدن فاز بالتصويت الشعبي أيضًا

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات