الانتخابات الرئاسية اللبنانية: الإجماع ومعوقاته

د. عماد حرب: الانتخابات الرئاسية اللبنانية... الإجماع ومعوقاته

  • 8 نوفمبر 2007

قيل ويقال الكثير عن الحاجة لاتفاق على شخص يمكن أن يكون مرشحاً توافقياً في انتخابات لبنان الرئاسية المعقدة. والكلمة هي "استرضائي"، أي شخص يمكنه ملاقاة الجميع في منتصف الطريق حول رزمة من المسائل الشائكة: سلاح "حزب الله"، والمحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة الضالعين باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق "رفيق الحريري"، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، والعلاقات مع سورية والعالم العربي والمنظومة الدولية. ولكن ما هو غائب عن أذهان الجميع حتى الآن هو التقييم الصحيح لإمكانية وجود مثل هذا المرشح في ظل حالة الاستقطاب الحاد الموجودة في الجسد السياسي اللبناني حول هذه المسائل. فرغم أمل الجميع بإمكانية إيجاد مخرج ما لإنجاز الاستحقاق الرئاسي، يبدو من الصعب وبشكل متزايد وجود شخص ما يمتلك مواصفات التوافق بسبب خيالية الافتراض بحد ذاته.

كثيرون في لبنان يعتقدون أن الانتخابات الرئاسية هي في جزء منها استفتاء على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 الصادر عام 2004، أي قبل التجديد غير الحكيم لولاية الرئيس الحالي "إميل لحود"، والذي نص من ضمن ما نص عليه على تجريد الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية من السلاح. وإذا أراد المرشح العتيد المساومة على هذا الأمر والقبول باحتفاظ "حزب الله" والمنظمات الفلسطينية والمنظمات الأخرى بسلاحها، فهو سيفسد مهمته المستقبلية كضابط دستوري للدولة اللبنانية، وسيفقد دعم وتأييد الأغلبية البرلمانية وقوى "14 آذار". أما إذا أراد، من ناحية ثانية، قبول بنود القرار 1559 بشكل واضح، فإن الأقلية النيابية وقوى "8 آذار" ستستمر في تأخير الانتخاب من خلال منع البرلمان من الانعقاد لاختيار بديل للحود.

والوضع سيكون مماثلاً حول موقف المرشح التوافقي من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1595 الصادر عام 2005 والذي مهد لإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة "الحريري"، فحكومة رئيس الوزراء الحالي "فؤاد السنيورة" والأغلبية الداعمة لها تريان المحكمة كتطبيق لسيادة القانون المبتغاة، وكتعبير عن سيادة الدولة بعد أكثر من ثلاثين عاماً من التدخلات السورية في الشؤون اللبنانية، في حين تتهم المعارضة الحكومة باللعب السياسي بورقة المحكمة واستعمالها بغرض إضعاف سورية. وقد سعت المعارضة إلى محاولة فرض مطالبها بأساليب عدة، ففي الخريف الماضي (2006) قامت باحتلال وسط بيروت التجاري وبناء مدينة من الخيم اعتصم فيها مناصروها قرب مكتب رئيس الوزراء، وما تزال تهدد الأغلبية بالكوارث الممكنة إذا لم تتم تلبية مطالبها. وهكذا، فبقبول تأسيس المحكمة أو برفضها سيكون المرشح العتيد ذا أعداء كثيرين مما سيحبط محاولته بأن يكون صديق الجميع في القصر الرئاسي في بعبدا.

ويعتمد اختيار المرشح التوافقي أيضاً على النقاش الدائر حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعد الانتخابات الرئاسية، والتي يمكن أن تجمع شركاء مختلفين تماماً، إذا لم تتغير مواقفهم من الأمور العالقة والمفرِّقة. وكما كانت المشكلة مع هذه الحكومة منذ خريف 2006، فمن المرجح أن يفشل تشكيل هذه الحكومة نتيجة مطالبة المعارضة بالسيطرة على الثلث زائداً واحد من أعضائها، والكل يعرف أن هذا الأمر ترفضه الأكثرية لأنها تعتبره مقدمة للقضاء على القرارين 1559 و1595. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الانقسام السائد حالياً في الآراء حول العديد من القضايا السياسية اللبنانية، يمكن القول إن الشركاء المحتملين لن يقبلوا ببرنامج حكومي لا يلبي مطالبهم أو يعكس مواقفهم من القرارين 1559 و1595 والقضايا الشائكة المتعلقة بسورية.

وأخيراً، لن يستطيع المرشح التوافقي العتيد الالتزام بترسيم الحدود اللبنانية-السورية أو بإقامة علاقات دبلوماسية بين بيروت ودمشق، وهما مطلبان مهمان للأغلبية البرلمانية، وفي نفس الوقت خطان أحمران للأقلية ومؤيديها. وبشكل مماثل، سيضطر المرشح لأن يختار بين تسوية مع إسرائيل حسب المبادرة العربية لعام 2002 والتي تعتمد مبدأ الأرض مقابل السلام، وبين سياسة مواجهة مستمرة مع الدولة العبرية، تربط مصير لبنان ومزارع شبعا في الجنوب بمصير مرتفعات الجولان السورية المحتلة. وفي الحقيقة، ونظراً لتداخلات بيئة لبنان الإقليمية والدولية، سيكون على المرشح أن يلبي مطالب كل فريق ورؤاه حول قضية موقع لبنان في الشرق الأوسط. أي عليه أن يؤمّن مصلحة وطنه وسلامته وازدهاره في بيئة من السوريين الغاضبين وغير الراضين، والإسرائيليين التوسعيين، والإيرانيين الطموحين، والأمريكيين المهزومين وإن كانوا ما يزالون واقفين، والفلسطينين المتشردين والمنقسمين. ولقد أظهر لبنان خلال السنتين الماضيتين أن هذا التمرين البهلواني مستحيل، وأي مرشح يرغب في لعب هذه المباراة قد لا يمتلك الحصافة المطلوبة ليكون رئيساً.

 لا أحد في لبنان يرفض فكرة المرشح التوافقي الذي يستطيع بناء الجسور فوق الهوة التي تفصل اللبنانيين عن بعضهم. ولكن من ناحية ثانية، لا أحد يريد أن ينتظر المعادلة التوافقية السحرية إلى الأبد. فالشعب اللبناني تعب وأصبح قانطاً وقلقاً من أن تسير الأمور بالوطن إلى الهاوية، لاسيما أن البلد ينتقل من فزعة أمنية إلى أخرى: من "فتح الإسلام" إلى الاغتيالات والتهديد بالمزيد منها إلى حرائق الأحراج والغابات التي لا يصدق أحد أنها غير مفتعلة. وقد يكون الوقت حان في لبنان لأن يُمنى فريق دون الآخر بالخسارة النسبية ويتخلى عن بعض المطالب، فالطريق نحو الانتخاب الرئاسي في البرلمان واضح ومحدد بقواعد معروفة ومتينة. فالمادة 49 من الدستور اللبناني تنص على أن الرئيس ينتخب بأكثرية الثلثين من أعضاء مجلس النواب في الدورة الانتخابية الأولى، وبعدها بالأغلبية البسيطة (النصف زائداً واحد) في الدورات اللاحقة. كما أن المادة 73 تنص على أنه إذا لم يُدعَ البرلمان إلى الاجتماع لانتخاب الرئيس، فهو يجتمع "حكماً" في اليوم العاشر قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي وينتخب خلفاً له. وهذا يصادف الرابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري.

لقد كان واضعو الدستور اللبناني عام 1926 مهتمين كثيراً بمسألة الاستحقاق الرئاسي وبخطر الفراغ الدستوري في القصر الرئاسي. وكان ورثتهم السياسيون عند الاستقلال عام 1943 مهتمين بالأمر كذلك بسبب التوزيع الدقيق والواضح للسلطات السياسية في الدولة على الطوائف المختلفة. وفي اتفاق الطائف عام 1989، كان هناك اهتمام متزايد بالمواقع والمراكز الدستورية كرئيس الجمهورية ورئيسي الحكومة ومجلس النواب، ووُضعت قواعد لحمايتها من المقتضيات السياسية. ومستقبل لبنان لا يمكن أن يُترك هائماً في عرض البحر، منتظراً ريح التوافق المواتية لتدفعه نحو شاطئ الأمان. فالسياسة هي فن الممكن ولقد حان الأوان لأن يدرك السياسيون اللبنانيون تلك الحقيقة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات