الانتخابات الرئاسية التونسية بين الاستحقاقات الدستورية والتحديات الواقعية

  • 9 أكتوبر 2019

بعد أن أنهوا انتخاب مجلسهم التشريعي، وبانتظار النتائج النهائية مطلع الأسبوع المقبل، يستعد التونسيون للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي قررت اللجنة المستقلة للانتخابات إجراءها في الـ13 من هذا الشهر.
بعد رفض القضاء كل الطعون المقدمة؛ تتم الانتخابات الرئاسية وسط أجواء تبدو غير طبيعية؛ حيث «يقطن» أحد المرشحين الذين اجتازوا الدور الأول في السجن؛ ما يثير أسئلة عن التحديات الواقعية للاستحقاقات الدستورية. وتواجه تونس وضعاً ربما غير مسبوق ليس على المستوى المحلي فقط ولكن على المستوى الدولي أيضاً، حيث يتنافس على الرئاسة مرشحان هما: أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد، ورجل الأعمال نبيل القروي؛ وكان فوزهما مفاجأة بكل معنى الكلمة؛ حيث لم يكن كلاهما من المنافسين الرئيسيين؛ وبالطبع المشكلة ليست هنا؛ بل يعد هذا الأمر دليلاً على النضج الانتخابي وهو ظاهرة صحية عندما تكون الأجواء الديمقراطية هي السائدة؛ ويسجل نجاحاً للتجربة التونسية.
ولكن النتائج أفرزت واقعاً معقداً، بل وأثارت، من غير ترتيب، مشكلة دستورية؛ فمن النادر أن يكون هناك مرشح رئيسي للانتخابات الرئاسية، يحظى بفرصة قوية للمنافسة، يقبع في السجن؛ وهو ما يثير تساؤلات عن الوضع القانوني لهذا المرشح إذا ما فاز في الانتخابات؛ وخاصة أن التهم التي يحاكم عليها تتعلق بالفساد، وإذا ما أدين فيها فالإدانة أصلاً من موانع الأهلية.
ولكن بما أن الانتخابات ستجري، كما هو متوقع قبل صدور أي حكم بهذا الشأن، فستكون هناك معضلة حقيقية؛ سواء فاز القروي أو لم يفز، فإذا ما فاز، فهناك قضية الإفراج عنه، إذ كيف يمكن لرئيس منتخب أن يتولى السلطة وهو تحت المحاكمة بتهم فساد متعلقة بغسل أموال والتهرب الضريبي، التي ثار الشعب التونسي أصلاً بسببها قبل ثماني سنوات ولا يزال يطالب بالقضاء عليها؛ وهنا ستكون الدولة، وخاصة الأجهزة القضائية ملزمة بتطبيق القانون الذي تم القبض على القروي بموجبه، على أساس أن هناك أدلة وقرائن تستدعي القيام بذلك. ثم إن رفض محكمة الاستئناف طلب الإفراج عن المرشح القروي، يدعم تلك الأدلة ويمثل إشارة واضحة إلى عزم القضاء المضي قدماً في محاكمته وهو داخل السجن. والسؤال الآخر الذي يثار هنا: إذا كان القضاء مصمماً على موقفه استناداً إلى القانون، فلماذا يسمح له (القروي) بالاستمرار في المنافسة إذا كان الدستور لا يسمح له بممارسة صلاحياته -ولا يمكن ذلك بالطبع- من داخل السجن؟ وهذا قد يعتبره البعض نوعاً من العبث.
وهناك أيضاً مشكلة أخرى، فحتى لو فاز القروي، فلا يتوقع أن يقبل المرشح الآخر بذلك وسيطعن في شرعيته، وهناك قد تدخل البلاد في صراع سياسي وقانوني طويل.
بالمقابل إذا فاز المرشح الآخر قيس سعيّد، وهو المتوقع وفقاً للنتائج الأولية التي حصد فيها 18.4% من الأصوات ولاستطلاعات الرأي التي ترجح كفته، فلا يتوقع أن ينتهي الأمر عند هذه النتيجة؛ فقد لا يقبل القروي بذلك، وعلى الأغلب سيقوم بالطعن في الانتخابات، لأنه لم يحصل على فرصة متكافئة للمنافسة؛ وهذا عنصر أساسي في أي عملية ديمقراطية حقيقية؛ صحيح أن الهيئة المستقلة للانتخابات، كما قال رئيسها نبيل بفون «بذلت كل ما لديها لضمان مبدأ تكافؤ الفرص (بين المرشحين)» حيث تمت مراسلة وزارة العدل ووكيل الجمهورية والقاضي المتعهد بالملف من أجل تمكين القروي من تقديم تصريحات إعلامية، ولكن هذا أمر قد لا يكون عملياً؛ وسيبقى مبدأ تكافؤ الفرص معضلة، ولذلك طالبت الهيئة بالإفراج عن القروي؛ كما تمنى المرشح الآخر قيس نفسه إطلاق سراح منافسه قائلاً: إن «الوضع غير مريح بالنسبة لي أخلاقياً» وأوضح «صدقاً كنت أفضل أن يكون طليقاً». ولكن القضاء كما يبدو حسم أمره. ومن ثم ستكون تونس حتى إذا فاز سعيّد أمام مشكلة، بالتأكيد أقل حدة مما لو فاز القروي، ولكنها أيضاً قد تعمق الانقسام.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات