الانتخابات البولندية وما بعدها

  • 16 يوليو 2020

إن الفوز غير الحاسم الذي حققه الرئيس البولندي الحالي أندريه دودا المنتمي إلى اليمين القومي، يعني أن حزب العدالة والقانون المحافظ والقومي، سيواجه معارضة شرسة من قبل «المنصة المدنية» أكبر حزب معارض وسطي، وهو التكتل السياسي الذي أيد منافسه الليبرالي رفال تراسكوفسكي رئيس بلدية وارسو.

شهدت بولندا يوم الأحد الماضي إجراء جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية بين الرئيس الحالي أندريه دودا المنتمي إلى اليمين القومي ومنافسه الليبرالي رئيس بلدية وارسو رفال تراسكوفسكي. وقد شهدت هذه الجولة منافسة شرسة بين الطرفين، بعد أن فاز دودا في الجولة الأولى التي جرت في 28 يونيو، حيث حصل على 43.5% من الأصوات مقابل 30.4% حصل عليها منافسه تراسكوفسكي.

وقد أسفرت نتائج الانتخابات عن حصول دودا على نحو 51.3% من أصوات الناخبين، في حين حصل منافسه تراسكوفسكي على 48.97% وكانت استطلاعات الرأي قبيل إجراء عملية التصويت تشير إلى تعادل حظوظ فوز كلا المرشحين، وهو ما يؤشر إلى سخونة المنافسة الانتخابية بينهما، وإن كانت «مجموعة أوراسيا» المكتب الاستشاري للأخطار السياسية قد أكدت أنها تتوقع فوز الرئيس المنتهية ولايته بفارق طفيف جداً، وهو ما حدث الفعل، ويبدو أن هناك عوامل عدة قد حسمت المعركة في نهاية المطاف لصالح دودا، وفي مقدمتها وعوده التي أطلقها لجمهور الناخبين بالدفاع عن المساعدات الاجتماعية الشعبية التي أطلقتها حكومة حزب العدالة والقانون.

وكانت قضية حقوق المثليين والمتحولين جنسياً، قضية بارزة في السباق الانتخابي والمنافسة بين المرشحين، وقد اتخذ دودا موقفاً مناهضاً لها بالاتساق مع المزاج المحافظ لقطاعات واسعة من الشعب البولندي، وهو موقف مخالف للموقف الذي اتخذه المرشح المنافس، وكان من اللافت للنظر في هذا السياق تصريح لوزير العدل زبينيو زيوبرو نقلته وكالة الأنباء البولندية، قال فيها إن «هذه الانتخابات هي مواجهة بين رؤيتين لبولندا، بين الأبيض والأحمر، وقوس قزح»، مشيراً بذلك إلى العلم الوطني البولندي والرمز الذي يستخدمه المثليون.

وقد تميزت هذه الانتخابات، التي كان يفترض أن تعقد في مايو الماضي، لكنها أرجئت بفعل جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) بالاستقطاب الشديد بين مؤيدي رئيس شعبوي انتهت ولايته، مدعوم من حزب العدالة والقانون المحافظ والقومي، ومرشح ليبرالي موالٍ لأوروبا يريد إصلاح العلاقات مع المفوضية الأوروبية، ينتمي إلى «المنصة المدنية» أكبر حزب معارض وسطي. وهذا الاستقطاب هو ما أكسب المعركة الانتخابية خصوصيتها وأسهم في رفع نسبة المشاركة في عملية التصويت، حيث بلغت هذه النسبة أكثر من 68%، ولكن هذا الاستقطاب يطرح تساؤلات حول وحدة المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الانتخابات.

ولا شك أن فوز الرئيس الحالي أندريه دودا سيصب في سبيل دعم حكومة حزب القانون والعدالة الذي يتهمه خصومه بالتسبب بتراجع الحريات الديمقراطية التي تحققت في البلاد بعد سقوط النظام الشيوعي قبل ثلاثة عقود، ولكن هذا الفوز الذي حدث بفارق ضئيل، لا يعد حاسماً بطبيعة الحال، وهذا يعني أن على الحزب الكثير من العمل حتى يظل في المرتبة الأولى. ويبدو أن هذا التراجع في شعبية الحزب، التي لم توفر فوزاً كبيراً للرئيس دودا، يعود إلى التأثيرات السلبية الشديدة التي أفرزتها جائحة (كوفيد- 19) على الاقتصاد البولندي الذي يعاني حالياً أسوأ ركود منذ سقوط النظام الشيوعي.

وفيما يخص مستقبل علاقة بولندا بالاتحاد الأوروبي، فيمكن القول إن ما أسفرت عنه الانتخابات من فشل تراسكوفسكي، يعني بقاء العلاقة المأزومة بين الطرفين، حيث إن بولندا كانت قد شهدت حزمة من الإصلاحات المثيرة للجدل في النظام القضائي أدت إلى صدام بين الطرفين، وكان تراسكوفسكي قد تعهد في حال فوزه، بالتراجع عن الإصلاحات. ومما لا شك فيه أن حصول تراسكوفسكي على هذه النسبة الكبيرة من تأييد الناخبين، وخسارته بهذا الفارق الضئيل، يؤشر في أحد جوانبه إلى أن حوالي نصف الشعب البولندي يطمح إلى العودة إلى علاقات أفضل مع الاتحاد الأوروبي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات