الانتخابات الإيرانية: قراءة في النتائج والتداعيات المحتملة

د. مصطفى عبدالعزيز مرسي: الانتخابات الإيرانية.. قراءة في النتائج والتداعيات المحتملة

  • 18 يونيو 2009

اتسمت أجواء الدورة العاشرة لانتخابات الرئاسة الإيرانية التي جرت يوم 12 يونيو/حزيران الجاري (2009) بالسخونة حتى قبل إجرائها؛ فخلال الحملات الانتخابية تسابق المرشحون الأربعة الذين أقر مجلس صيانة الدستور ترشيحهم من بين 475 مرشحاً، إلى ابتكار أساليب مستحدثة للدعاية بهدف استمالة الناخبين، شملت إضافة إلى المنشورات والملصقات واللافتات التقليدية، استخدام وسائل الإعلام الإلكتروني على نطاق واسع، واللجوء إلى المناظرات التليفزيونية، ما أشعل حماس الناخبين، وزاد من نسبة المشاركة في الانتخابات والتي وصلت إلى نحو 85% مقابل 48% فقط في انتخابات عام 2005، وهو ما عكس بدوره وجود رغبة شعبية في التغيير. كما تجاوزت المواجهات بين المرشحين الأربعة، ولاسيما الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد والمرشح المحسوب على التيار الإصلاحي مير حسين موسوي، حدود النقاش والجدل المنضبط ووصلت إلى حالة من السخونة وتبادل الاتهامات لم تشهدها إيران في تاريخها الانتخابي، وبلغت ذروتها عندما اتهم أحمدي نجاد الرئيس الإيراني السابق وأحد أبرز الرموز السياسية والدينية في طهران، هاشمي رافسنجاني، المؤيد لموسوي، بالفساد المالي واستغلال الظروف للإثراء، وهو أمر رد عليه رافسنجاني بتوجيه رسالة للمرشد الأعلى علي خامنئي تطالبه بالتدخل لإيقاف هذه "التصريحات الخاطئة والملفقة".

 وبينما كان الإصلاحيون يعلقون آمالاً كبيرة على فوز مرشحهم، مير حسين موسوي، ولاسيما أن استطلاعات الرأي العام في الجولة الأخيرة قبل الانتخابات كانت تشير إلى تفوق موسوي، جاءت نتيجة الانتخابات لتبخر هذه الآمال؛ حيث أشارت النتائج الرسمية إلى فوز الرئيس أحمدي نجاد في الجولة الأولى بأغلبية مطلقة مريحة بنسبة 62.6% مقابل 33.7% لمير حسين موسوي أقوى منافسيه، والذي كان قد استبق قفل صناديق الاقتراع بالإعلان عن فوزه.

 ومثلما كانت المواجهات خلال الحملات الانتخابية حادة وساخنة، جاءت ردود الفعل على إعلان النتائج أيضاً حادة وغير مسبوقة في تاريخ إيران؛ حيث أعلن المرشح الإصلاحي حسين موسوي رفضه نتائج هذه الانتخابات، وتحدث بصراحة عن حدوث تجاوزات ومخالفات في مراكز الاقتراع، كما انتقد صمت رجال الدين عما اعتبره "تزويراً" في العملية الانتخابية، وقدم طعناً رسمياً إلى "مجلس صيانة الدستور"، مطالباً بإلغاء نتيجة الانتخابات، ووجد موسوي دعماً لموقفه من عدد من السياسيين البارزين؛ حيث دعت حركة الرئيس السابق "محمد خاتمي" إلى إلغاء الانتخابات وتنظيم اقتراع جديد، فيما جاءت ردود فعل الشارع من المؤيدين لموسوي ولم يرقهم هزيمته أكثر حدة وعنفاً؛ حيث خرج الآلاف من أنصاره إلى شوارع طهران مطلقين هتافات مناهضة للحكومة، وشهدت العديد من المدن الإيرانية أحداث عنف وصدامات مع رجال الأمن أدت إلى مقتل بعضهم وإصابة آخرين. وإذا كان من السابق لأوانه تقييم الواقع الراهن في إيران، فإن من الواضح أن هذه المواقف أحدثت شرخاً في الجسم السياسي الإيراني سيحتاج إلى بعض الوقت ليلتئم.

 وعلى الرغم من إعلان السلطات الإيرانية التحقيق في اتهامات الإصلاحيين والتوجيه بإعادة فرز الأصوات في عدد من المناطق والدوائر، يرى المحللون أن فرص إلغاء الانتخابات تبدو ضئيلة بالنظر إلى أن أعضاء "مجلس صيانة الدستور" يعينون بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي الذي يدعم أحمدي نجاد ويخشى من مجيء موسوي (سبق أن عمل موسوي كرئيس للوزراء مع خامنئي عندما كان رئيساً للجمهورية خلال الحرب العراقية-الإيرانية)، الذي لا يخفي تطلعه إلى إعادة توزيع السلطات والصلاحيات، وقد عبرت بعض مصادر الحرس الثوري عن هذه المخاوف بالتحذير مما أسمته "خصوم أحمدي نجاد الذين يسعون إلى إثارة الاضطرابات تمهيداً لثورة شعبية مخملية"، ولاسيما بعد أن وصلت الاتهامات المتبادلة إلى قضايا تمس مقومات النظام القائم.

 وبصرف النظر عن مدى صحة اتهامات الإصلاحيين بوجود مخالفات وأعمال تزوير كبيرة، يمكن تفسير النجاح الذي حققه نجاد في هذه الانتخابات بالنظر إلى عوامل عدة، أهمها دعم المؤسسة الدينية المحافظة، وعلى رأسها المرشد الأعلى للثورة، ومواقفه المتشددة التي لاقت قبولاً من جانب أنصاره المحافظين؛ فقد حافظ نجاد على مواقفه كمرشح محافظ مشبع بالأيديولوجية الدينية المحافظة، ونجح في توظيف استعدائه الغرب وإسرائيل بشكل جيد، ولم يفرط في نظر مؤيديه في ثوابت الثورة، كما أعاد النشاط إلى القاعدة الشعبية الخمينية بخطابه الراديكالي وصموده أمام التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وتهديدات إسرائيل. وحصل على تأييد أغلب مؤسسات الجمهورية الإسلامية الفاعلة، يضاف إلى ذلك حصوله على تأييد الناخبين البسطاء الذي أصبح يمثلهم خير تمثيل بأدائه الميداني واهتمامه بشؤونهم وأسلوب معيشتهم المتقشف، وقام بتوزيع جانب من عائدات النفط عليهم بشكل مباشر، وهو ما دعا بعضهم إلى وصفه بروبن هود الإيراني. وفي الوقت الذي كان فيه الوضع الانتخابي محسوماً لصالح موسوي في العاصمة وبعض المدن الكبرى، كان التأييد قوياً لأحمدي نجاد في المناطق الريفية والنائية التي كان يزورها على مدار الساعة.

 ولكن ما أسهم بدور فعال في فوز أحمدي نجاد، إضافة للتأييد العلني للمرشد الأعلى، علاقته الوثيقة بالحرس الثوري الذي عمل ضابطاً به، فقد عزز وضعهم وزاد امتيازاتهم، وهو ما انتقده أنصار موسوي ورأوا فيه انحرافاً عن خط الإمام الخميني. كما خدمته الظروف الإقليمية والدولية التي عززت من موقف المنادين بضرورة تحقيق الملاءمة السياسية وعدم تغيير الحصان خلال السبق، وإعطائه فرصة ثانية حتى وإن كان قد أخطأ في المرحلة الأولى، وعادة فإن من في السلطة تكون له فرصة أفضل ممن هم خارجها.

 وعلى الرغم من أن بعض المراقبين اعتبروا أن الفوز الكبير الذي حققه نجاد يمثل استفتاءً على تأييد سياساته خلال فترة ولايته الأولى، وتفويضاً له بمواصلة هذه السياسات في ولايته الثانية، فإن ردود الأفعال التي أثارتها هذه الانتخابات تكشف أيضاً عن وجود شريحة إيرانية عريضة قلقة من مواقف نجاد وسياساته المتشددة،. ومن المفترض أن تنظر القيادة الإيرانية لمثل هذه الآراء بجدية، لبحث مدى الملاءمة في إدخال تعديلات عليها.

 لاشك في أن إعادة انتخاب نجاد بهذه النسبة ستشكل دافعاً له للسير في النهج نفسه الذي سار عليه خلال فترة ولايته الأولى مع تغييرات محتملة يمكن أن تفرضها بعض التطورات، فالعلاقة مع الولايات المتحدة والغرب قد تستمر في مرحلة الشد والجذب، ولكن من غير المرجح أن تصل إلى درجة التوتر التي شهدتها في عهد الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن، وذلك بالنظر إلى موقف الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما الذي عبر عن رغبته في إجراء حوار جاد وغير مشروط مع إيران، الأمر الذي يُشكل عنصراً معنوياً ضاغطاً ودافعاً للحوار مع الولايات المتحدة. ما يعني أن سياسة العداء مع الولايات المتحدة ستصبح أكثر صعوبة وأقل قبولاً داخل إيران. وقد كشفت مؤشرات أولية عن ذلك منها خطاب تهنئة أحمدي نجاد لأوباما فور انتخابه، وقول وزير الخارجية منوشهر متقي إنه لا توجد استراتيجية لعداء دائم مع واشنطن.

 أما إقليمياً، فعلى الرغم من الخطاب الهادئ الذي وجهه نجاد بعد فوزه تجاه الدول العربية؛ فإن المراقبين يستبعدون حدوث تحول جوهري في سياساته التي تثير التوتر مع بعض الدول العربية، ولاسيما التدخل في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية، بالرغم من الانتقادات التي تعرض لها خلال حملته الانتخابية بسبب سياساته التصادمية التي حولت إيران إلى دولة منبوذة دولياً وشبه معزولة إقليمياً؛ حيث انتقد موسوي بشكل علني دعم إيران لمحور الممانعة في المنطقة العربية، وأوضح أنه لا يجوز الحديث عن عزة لبنان وفلسطين وتجاهل عزة إيران، في إشارة إلى ضرورة الوفاء أولاً بحاجات الشعب الإيراني، وأن تكون لذلك أولوية متقدمة على غيرها. ومع ذلك لا يمكن استبعاد إمكانية أن تشهد سياسة إيران الإقليمية تغيراً نوعياً إذا ما تحسنت علاقاتها بواشنطن، أو في حالة حدوث تقدم في مسار عملية السلام العربي-الإسرائيلي؛ حيث سيتعذر على إيران اتباع سياساتها الإقليمية السابقة في الوقت الذي يسود المنطقة بأكلمها مزاج مختلف، وتتهيأ لحل مشكلاتها بالطرق السلمية (توجهات سورية، حليف إيران، في الانتخابات اللبنانية، وسعيها للتقارب مع واشنطن، وتوافقية حزب الله، واتجاه حماس للاعتدال..)

 وفيما يتعلق بالملف النووي الإيراني من المستبعد حدوث تحول استراتيجي في الموقف الإيراني بشأنه إلا في سياق صفقة كاملة مع الدول الغربية، فقد وضح خلال الانتخابات وما دار فيها من مناقشات أن هناك إجماعاً بين المتنافسين على عدم التراجع عن حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية. ومع ذلك تظل هناك فرصة لتسوية هذا الملف في ضوء دعوة أوباما للحوار، والتي يراها جانب كبير من الإيرانيين فرصة لإيران للخروج من مأزقها المتعلق بملفها النووي وقضايا أخرى، ولاسيما بعد أن تفهمت الإدارة الأمريكية الجديدة مخاوف إيران، وامتنعت عن التلويح بفكرة تغيير النظام أو استخدام لغة التهديد في مواجهتها، ما قد يجعل القيادة الإيرانية أكثر انفتاحاً لمناقشة هذا الملف، في إطار مفاوضات البازار المألوفة.

 وتعد إسرائيل، بحسب كثير من المحللين، هي الرابح الأكبر من إعادة انتخاب نجاد، على أساس أن فوز موسوي كمعتدل كان من شأنه أن يخفف من الضغوط الدولية على طهران من دون أن تكون الأخطار التي تمثلها إيران قد تلاشت أو خفت حدتها، كما أن بقاء نجاد سيساعد حكومة نتنياهو على إبقاء خيار توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية.

 إن إعادة انتخاب أحمدي نجاد والأحداث التي تلت إعلان النتائج يجب أن تمثل دافعاً لانتهاج سياسات برجماتية وواقعية في التعاطي مع القضايا الإقليمية والدولية، استجابة لنداءات الداخل واحتياجاته، وتجاوباً مع متطلبات الخارج وضغوطه. فلكل سياسة فترة صلاحية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات