الاقتصاد اللبناني في مخاض عسير والمخارج باتت أشبه بالمعجزات

  • 5 يوليو 2020

لم تكن بداية القصة في لبنان انهيار عملتها بأكثر من 80% في أقل من عام، ولا تتلخص المسألة بتنامي معدلات البطالة والتضخم والفقر، إنما التحديات التي يواجهها هذا البلد أعمق من ذلك بكثير؛ حيث جاءت بعد تراكمات امتدت سنوات عدّة؛ كان أشهرها «أزمة القمامة» التي بدأت في عام 2015.

الأزمة المالية التي يواجهها اللبنانيون هذه الأيام، تتلخص بتراجع الليرة اللبنانية إلى أدنى مستوياتها؛ ووصولها مؤخراً إلى نحو 3580 ليرة للدولار؛ حيث تسبب هذا التراجع بمجموعة من التحديات، تجسدت بتنامي معدلات التضخم، وتدني القدرة الشرائية للأفراد، وتعطّل عجلة الاقتصاد. لكن الخطر الأكبر يتعلق الآن بمدخرات المواطنين اللبنانيين؛ حيث تحظر البنوك عليهم التحويلات إلى الخارج، وصارت تدفع للمودعين بالدولار نقداً بالعملة المحلية، وفق سعر السوق وفي إطار محدود، لتحُول بذلك بينهم وبين مدخراتهم، وتتسبب لهم بخسارة 50% من قيمتها، مقارنة بالسوق السوداء، التي يصل تداول الدولار فيها إلى 8 آلاف ليرة.

الأزمة التي يعانيها اللبنانيون اليوم تعد الأعمق والأكثر تهديداً للاستقرار المجتمعي والاقتصادي منذ ثلاثة عقود، فعند العودة إلى شهر مارس الماضي، عجز لبنان عن سداد ديونه الخارجية، نتيجة انخفاض الاحتياطيات الأجنبية إلى مستويات حرجة، حيث تعثرت المفاوضات التي بدأت في مايو الماضي مع صندوق النقد الدولي، نتيجة خلافات بين الحكومة والمركزي بخصوص حجم الخسائر المالية وكيفية توزيعها. إلا أن الأزمة التي «زادت الطين بلّة» هي استقالة عضوين في شهر يونيو الماضي وحده، من فريق محادثات صندوق النقد بلبنان، هما هنري شاوول، مستشار وزارة المالية الذي استقال من عضوية الفريق، وآلان بيفاني، العضو الكبير بفريق التفاوض، الذي استقال من منصبه مديراً عاماً لوزارة المالية، نتيجة «تعامل الزعماء السياسيين مع الأزمة المالية، وشروعهم في أجندة شعبوية»، وأن «المسار الذي يسلكه قادة لبنان تحفّه المخاطر، وسيُلحق الضرر بالناس»، بحسب شاوول وبيفاني.

خطة الإصلاح المالي والاقتصادي، التي يناقشها الفريق مع صندوق النقد، وتمتد إلى 5 سنوات، تستهدف الحصول على تدفقات مالية بقيمة 28 مليار دولار، 10 مليارات من صندوق النقد الدولي و11 مليار من مؤتمر سيدر و7 مليارات قروض وهبات ثنائية مع الدول والصناديق والمؤسسات المانحة، لتمويل العجز والخروج من نقص السيولة النقدية الحاد والتدهور الاقتصادي غير المسبوق. لكن، وفي ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تتزايد وتيرته في الفترة الأخيرة، وفي ظل المشقة الطاغية على المفاوضات والاختلاف بين أطراف فريق التفاوض، يبدو التوصل إلى خطة إنقاذ للبنان وشعبه أمراً أشبه بالمعجزات في كنف تلك الظروف، وهو ما يتطابق مع تصريح لمديرة «الصندوق»، كريستالينا غورغيفا، قالت فيه: «لا يوجد سبب حتى الآن لتوقع حدوث انفراجة للأزمة الاقتصادية في لبنان».

وعلى الرغم من المخاطر التي ستنجم عن تعثر سداد الديون وهبوط قيمة الليرة وارتفاع معدلات التضخم والفقر والبطالة، وتنامي حدّة الاحتجاجات الرافضة لكل ذلك، تصرّ الحكومة اللبنانية والمصرف المركزي على رفض تسييل احتياطيات الدولة من الذهب في هذه المرحلة، باعتباره ملاذاً آمناً. فبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، فإن لبنان يحتل المرتبة الـ 20 عالمياً، كأكبر الدول حيازة للذهب ضمن أصولها الاحتياطية؛ ما يثير في الأذهان تساؤلات تتعلق بقرب وقت «التسييل»، وخاصة في ظل الطريق المسدود التي بدأت تتجه إليها الأحوال هناك، والتي أضعفت من ثقة المواطنين بالعملة المحلية، ودفعتهم إلى الادّخار بالدولار، وتسببت في تراجع سعر الصرف، وشح في وفرة النقد الأجنبي في السوق الرسمية.

إن أزمة ميزان المدفوعات والعملة وبلوغ العجز 10% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019، وأزمة النظام المصرفي، ستدفعان الأوضاع الراهنة في لبنان إلى الانفجار السياسي والاجتماعي، وستضعان المسار الحالي أمام عواقب كبيرة تتجسد بركود الاقتصاد، وتدمير الثروات، وقد تصل بمعدلات الفقر إلى أكثر من 40% بين اللبنانيين، وستتسبب في تداعيات أمنية جرّاء الاضطرابات الاجتماعية؛ ما يتطلب اتخاذ عملية إصلاحية مالية واقتصادية تتجاوز الخلافات الداخلية، وتعالج تحديات القطاع المصرفي والعجز المالي، وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً من الأفراد والمؤسسات.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات