الاقتصاد: العنصر الحاسم في الانتخابات الأمريكية

د. عماد حرب: الاقتصاد: العنصر الحاسم في الانتخابات الأمريكية

  • 5 أكتوبر 2008

يفصلنا أقل من شهر عن موعد الانتخابات الأمريكية الرئاسية في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، والتي ستعقد في ظل غيمة داكنة من الخسائر البشعة على شارع "وول ستريت" التي بدورها تهدد الشارع الأمريكي الأوسع. ويظهر أن الديمقراطيين يتمتعون بأوقات سعيدة بعد جمعهم في لائحتهم الرئاسية السناتور الأفريقي-الأمريكي باراك أوباما من ولاية إلينوي، والسناتور الكاثوليكي عن ولاية ديلاوير جوزيف بايدن، فيما يجثم سوء الحظ على الجمهوريين الذين جمعوا السناتور جون ماكَين عن ولاية أريزونا، وحاكمة ولاية ألاسكا الفاقدة للخبرة سارة بايلن في حملة رتيبة وغير ملهمة. وخرج الديمقراطيون من مؤتمرهم العام في دنفر بولاية كولورادو بخطاب سياسي ملهم يركز على التغيير في السياسات الداخلية والخارجية، فيما فقد الجمهوريون الحماسة والاندفاع اللذين ساعد عليهما مؤتمرهم في مينيابوليس-سانت بول بولاية مينيسوتا عندما قام ماكين بتقديم بايلن كمرشحة عن منصب نائب الرئيس. ولكن نظراً إلى المشكلات التي عصفت بالاقتصادين الأمريكي والعالمي في الفترة الأخيرة، من الأرجح أن تكون اللائحة الفائزة في هذه الانتخابات هي التي تظهر وكأنها تعطي الأهمية اللازمة والحلول الناجعة للأزمة الاقتصادية التي استشرت على مدى السنوات الثماني من إدارة الرئيس جورج بوش.

 ولا يمكن فصل خطة التمويل الحكومية التي وافق عليها الكونجرس ووقّعها الرئيس بوش في الأسبوع الماضي عن حالة عدم الاستقرار وفقدان الثقة بالاقتصاد الأمريكي بشكل عام، والذي فرض نفسه ثانية على طريق الحملة الرئاسية. وما تطور الأحداث المروع مع عمالقة الإقراض "ليمان براذرز" و"ميريل لينش"، وكفَلَة قروض الإسكان "فاني ماي" و"فريدي ماك"، وشركة التأمين الكبرى "المجموعة الأمريكية العالمية" وغيرهم، سوى جزء من المشكلات الكبرى التي يعانيها الاقتصاد الأكبر. فبينما من المهم أن يظهر المرشحون ملتزمين بالفوز في حربي العراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب، تبقى قدرتهم على إقناع الناخبين ببرامجهم الاقتصادية المسألة الأهم في نجاحهم أو فشلهم. وفي ظل المأساة التي تخيم على "وول ستريت" يوماً بعد يوم، من المهم الآن أن يسمع هؤلاء الناخبون شرحاً لهذه البرامج أكثر من سماعهم المواقف المعتادة حول الأمور السياسية والاجتماعية.

 ولكن في هذا الجو، ليس من السهل فصل المرشحين عن سجلهم أو عن تصويتهم أو عن عقائد أحزابهم. وبالحقيقة، لن يستطيع الناخبون فصل ماكَين-بايلن عن سياسات الرئيس بوش والعقيدة الجمهورية التي ترتكز على مبادئ التقليل من الضوابط الاقتصادية على الشركات، والإيمان غير المحدود بنزاهة نظام الاقتصاد الحر، والتقليل من دور الحكومة في الاقتصاد. ولكن هذه المبادئ ذاتها هي في قلب المشكلات التي يعاني منها "وول ستريت" والشارع الأمريكي الأوسع. فتقليل الضوابط على الشركات، وهو مبدأ يدافع عنه السناتور ماكَين، كان من الأسباب الرئيسة لما سماه هو (جشع شركات "وول ستريت") والذي أدى إلى الفوضى العارمة في الأسواق المالية.

 والحق يقال، لم يصوت السناتور ماكَين مع خطة الرئيس بوش عام 2001 بتخفيض الضرائب بقيمة 1.6 تريليون دولار، والتي تنتهي مدتها عام 2010. ولكنه اليوم يقترح عدم العودة عن التخفيض وجعله دائماً، مما سيكلف الخزينة 2.6 تريليون دولار بعد عشر سنوات بحسب تقديرات "اللجنة المشتركة حول الضرائب"، وهي لجنة غير منحازة في الكونجرس. كما يقترح المزيد من خطط تخفيض الضرائب، بما في ذلك ضرائب على الشركات الكبرى. وهذا غريب لأن ماكَين يعلم أن الخيارات الاقتصادية التي اعتمدتها إدارة الرئيس بوش خلال السنوات الثماني الماضية قد تسببت بعجز هائل في الميزانية سيؤثر على حظوظه في النجاح. فبحسب "مكتب الميزانية في الكونجرس" غير المنحاز، سيبلغ العجز هذا العام 407 مليارات دولار، و437 مليارات في العام القادم، وذلك سيمثل 3% من الاقتصاد الأمريكي ككل. وتضيف معدلات البطالة المرتفعة والتضخم والدخل الفردي المنخفض مشكلات أخرى لبرنامج ماكَين الاقتصادي. (من الجدير بالذكر أن الدين العام الكلي الذي سيكون مسؤولية الرئيس المقبل يبلغ حوالي 10 تريليون دولار.)

 وبعد يوم واحد من الإعلان عن مشكلات "ليمان براذرز" و"ميريل لينش" و"المجموعة الأمريكية العالمية"، ردد السناتور ماكَين مقولة الرئيس بوش عن أن الاقتصاد الأمريكي قوي، الأمر الذي أظهره وكأنه لا يعرف ما يقول، والذي جعل المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس جوزيف بايدن يتهمه بأنه لا يعرف معاناة الناس. وحاول ماكَين استرجاع المبادرة بعد أن رأى القلق في الشارع الأمريكي بالمطالبة بلجنة لدراسة أسباب الإخفاق في القطاع المالي الأمريكي. ولكنه يعلم كما يعلم غيره أن المشكلة الكبرى كانت ولا تزال في فقدان الضوابط على بيوت الاستثمارات الكبرى والقطاع المالي. وفي الوقت الذي لا يعطي فيه المواطن الأمريكي العادي الكثير من الاهتمام لدور الحكومة في الاقتصاد، يرحب بدور للحكومة الفدرالية يمكن أن يقلل من وقع الرأسمالية القاسية والرعناء. وفي هذه الحالة، يبقى ماكَين والجمهوريون على الجانب الخطأ من السياسة.

 من ناحية أخرى، لا يمكن تبرئة الديمقراطيين الذين سيطروا على مجلسي الكونجرس منذ انتخابات عام 2006 البرلمانية. فلقد كانت لهم فرص كثيرة لكشف حقائق الوضع المالي والسياسات الاقتصادية الخاطئة التي كانت في أساس المشكلات الحالية في الاقتصاد ككل. ولكنهم إما فشلوا في الكشف عنها في الوقت المناسب أو فشلوا في التقليل من تأثيرها. كما أنهم استفادوا كثيراً من الإنفاق الحكومي والمسرف، والذي انتقده الرئيس بوش والجمهوريون قبل عام 2001 وتراجعوا عن انتقاده بعد أن وصل هو إلى البيت الأبيض. ولا يمكن تبرئة الديمقراطيين من الإسراف في الإنفاق العسكري، على سبيل المثال، لأنهم قدّموا مصالحهم الانتخابية على دورهم البرلماني في المساءلة، حتى لا يُنتقدوا بأنهم لا ينفقون على القوات المسلحة بشكل كاف. وبالحقيقة، مما يشفع لباراك أوباما هو غيابه عن مسرح الكونجرس والإنفاق الحكومي، إذ إنه لم يأت إلى واشنطن حتى عام 2004.

 ولكن ما يساعد أوباما والديمقراطيين، وبالتحديد في هذه السنة الانتخابية، هو خطته الاقتصادية المفصلة التي تجمع بين مقترحات وسطية وتأكيد على مبدأ مساعدة الطبقة الوسطى. فبينما يطالب أوباما بالحد من الإنفاق، يقترح تمديد قسم واحد من خطة الضرائب لعام 2001، وهو القسم الذي يعود بالفوائد الاجتماعية على الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة، والذي يسمح بالإنفاق على قطاع الصحة العامة والتعليم والتدريب وبناء البنية التحتية وتطوير الطاقة البديلة. كما يقترح حسم مبلغ 1000 دولار من ضرائب حوالي 150 مليون أمريكي من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض.

 وأخيراً، وفي غياب تهديد جديد للأمن الوطني يمكن أن يستخدمه ماكَين وبايلن لإنعاش حظوظهما. من الصعب التفكير في الوقت الحالي كيف يمكن للائحتهما أن تناور للخروج من تأثير الكارثة الحاصلة على "وول ستريت" وفي الشارع العام. كذلك من الصعب التفكير بأن الرياح ستكون مؤاتية في المياه الهوجاء من الحبر الأحمر الناتج عن القروض المفلسة والشركات المكسورة وصناديق تقاعد الملايين من الأمريكيين الخائفين على معيشتهم. وقد يكون جون ماكَين قد أذهل الناخبين الأمريكيين باختياره حاكمة ولاية ألاسكا المحافظة لجذب تأييد قاعدة الحزب الجمهوري الانتخابية، ولكن الإعجاب ببايلن قصير العمر وسطحي. وفي الوضع الراهن والمخيف المسيطر على الأخبار، عليه هو وبايلن التفكير بطريقة تساعدهما على إقناع الجميع بأنهما يمتلكان الخطة الناجعة لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي لسنوات عديدة قادمة.

 وهكذا يعيد التاريخ نفسه، ويذكرنا بشعار كلينتون القديم: "إنه الاقتصاد، أيها الأبله".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات