الاقتصاد العالمي في عام جديد

  • 5 يناير 2015

يمر الاقتصاد العالمي منذ فترة بتغيرات لم يشهد لها مثيلاً منذ عقود طويلة، فبناؤه الهيكلي شهد تحولاً دراماتيكياً، سواء تعلق الأمر بطبيعة المتغيرات والقوى المحركة له أو بطبيعة توازنات القوى في إطاره، وتأتي هذه التغيرات بعد مرحلة تتسم بالاستقرار النسبي عاشها الاقتصاد العالمي طوال عقود. وتعود جذور مرحلة التغيير الحالية إلى عام 2007، عندما شهد العالم ارتفاعاً استثنائياً في أسعار الغذاء تحول إلى أزمة غذاء عالمية مكتملة المعالم، تبعها في العام التالي اندلاع أزمة رهن عقاري في الولايات المتحدة الأمريكية، تحولت خلال فترة وجيزة إلى أزمة مالية عالمية واسعة النطاق، تكبد الاقتصاد العالمي إثرها خسائر بنحو 50 تريليون دولار.

وقد كان عام 2014 عاماً سيئاً للاقتصاد العالمي، فبرغم انحسار تبعات الأزمة المالية العالمية بعض الشيء خلال السنوات السابقة، خصوصاً عامي 2012 و2013، ولاسيما في الاقتصادات الكبرى التقليدية، كاليورو والولايات المتحدة الأمريكية واليابان، فقد شهدت هذه الاقتصادات ما يشبه الانتكاسة في عام 2014، خصوصاً منطقة اليورو، التي شهدت تجدد المخاوف من تفاقم أزمة المديونية الحكومية في عدد من دولها، كاليونان وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال، وشهدت المنطقة تراجعاً كبيراً في قيمة عملتها (اليورو)، الذي تدور قيمته الآن عند أدنى مستوى لها منذ ما يزيد على أربع سنوات ونصف السنة، ومازالت المنطقة تعاني ركوداً اقتصادياً شبه كامل، ومازالت معدلات البطالة فيها مرتفعة إلى مستويات مقلقة. بالتوازي مع ذلك شهد عام 2014 تراجعاً في أداء الاقتصادات الصاعدة، ولاسيما اقتصادات الصين والهند والبرازيل، واقتصادات أخرى في آسيا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، كما دخل الاقتصاد الروسي في حالة من التراجع الدراماتيكي. وهذه المجموعة من الاقتصادات كان يعوّل عليها لحمل راية النهوض بالاقتصاد العالمي من كبوته، وتحفيزه على النمو ومحاصرة تداعيات الأزمة المالية العالمية.

الآن ونحن في بدايات عام 2015، فإن الأمر يستدعي التساؤل بشأن ما هو متوقع بالنسبة إلى أداء الاقتصاد العالمي خلال هذا العام، وإذا ما كان قادراً على التغلب على ما ورثه من مشكلات، خصوصاً من العام الماضي، ولأن ما انتهى إليه الاقتصاد العالمي العام الماضي، هو بمنزلة الأرضية التي سيبني عليها خلال العام الجديد، فهذا يعني أنه يبدأ العام الجديد من نقطة قريبة من القاع على منحنى الأداء.

من الجدير بالذكر أن العديد من نقاط الضعف في الأداء الاقتصادي العالمي خلال العام الماضي كان له سبب سياسي، فالتراجع الاقتصادي لروسيا كان بسبب العقوبات الغربية المفروضة عليها، نتيجة موقفها من الأزمة الأوكرانية. والأوضاع الاقتصادية غير المستقرة لبعض اقتصادات منطقة الشرق الأوسط، حدث بسبب معاناة هذه الدول انتشار الإرهاب وعدم الاستقرار السياسي والأمني. وفي المنطقة ذاتها يعاني اقتصاد إيران كثيراً بسبب العقوبات المفروضة عليها من الغرب، جراء برنامجها النووي المثير للجدل. وفي مناطق أخرى من العالم هناك أيضاً وجود للعوامل السياسية ودورها الضاغط على الأداء الاقتصادي، فالأرجنتين مثلاً عانت كثيراً مؤخراً بسبب توتر علاقاتها السياسية مع دائنيها. ومن دون شك ستظل هذه العوامل السياسية، في حال لم يتم حلها، عاملاً ضاغطاً على اقتصادات هذه الدول وبالتالي على الاقتصاد العالمي خلال العام الجديد.

وما تشهده أسواق النفط العالمية من تنافس بين مصادر النفط التقليدية من ناحية والنفط الصخري من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهله في معرض تناول المتغيرات التي ترسم ملامح التغيير الجاري في الاقتصاد العالمي، وهذا التنافس بدوره سيظل صاحب دور محوري في توجيه بوصلة الاقتصاد العالمي خلال العام الجديد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات

الاقتصاد العالمي في عام جديد

  • 5 يناير 2015

يمر الاقتصاد العالمي منذ فترة بتغيرات لم يشهد لها مثيلاً منذ عقود طويلة، فبناؤه الهيكلي شهد تحولاً دراماتيكياً، سواء تعلق الأمر بطبيعة المتغيرات والقوى المحركة له أو بطبيعة توازنات القوى في إطاره، وتأتي هذه التغيرات بعد مرحلة تتسم بالاستقرار النسبي عاشها الاقتصاد العالمي طوال عقود. وتعود جذور مرحلة التغيير الحالية إلى عام 2007، عندما شهد العالم ارتفاعاً استثنائياً في أسعار الغذاء تحول إلى أزمة غذاء عالمية مكتملة المعالم، تبعها في العام التالي اندلاع أزمة رهن عقاري في الولايات المتحدة الأمريكية، تحولت خلال فترة وجيزة إلى أزمة مالية عالمية واسعة النطاق، تكبد الاقتصاد العالمي إثرها خسائر بنحو 50 تريليون دولار.

وقد كان عام 2014 عاماً سيئاً للاقتصاد العالمي، فبرغم انحسار تبعات الأزمة المالية العالمية بعض الشيء خلال السنوات السابقة، خصوصاً عامي 2012 و2013، ولاسيما في الاقتصادات الكبرى التقليدية، كاليورو والولايات المتحدة الأمريكية واليابان، فقد شهدت هذه الاقتصادات ما يشبه الانتكاسة في عام 2014، خصوصاً منطقة اليورو، التي شهدت تجدد المخاوف من تفاقم أزمة المديونية الحكومية في عدد من دولها، كاليونان وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال، وشهدت المنطقة تراجعاً كبيراً في قيمة عملتها (اليورو)، الذي تدور قيمته الآن عند أدنى مستوى لها منذ ما يزيد على أربع سنوات ونصف السنة، ومازالت المنطقة تعاني ركوداً اقتصادياً شبه كامل، ومازالت معدلات البطالة فيها مرتفعة إلى مستويات مقلقة. بالتوازي مع ذلك شهد عام 2014 تراجعاً في أداء الاقتصادات الصاعدة، ولاسيما اقتصادات الصين والهند والبرازيل، واقتصادات أخرى في آسيا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، كما دخل الاقتصاد الروسي في حالة من التراجع الدراماتيكي. وهذه المجموعة من الاقتصادات كان يعوّل عليها لحمل راية النهوض بالاقتصاد العالمي من كبوته، وتحفيزه على النمو ومحاصرة تداعيات الأزمة المالية العالمية.

الآن ونحن في بدايات عام 2015، فإن الأمر يستدعي التساؤل بشأن ما هو متوقع بالنسبة إلى أداء الاقتصاد العالمي خلال هذا العام، وإذا ما كان قادراً على التغلب على ما ورثه من مشكلات، خصوصاً من العام الماضي، ولأن ما انتهى إليه الاقتصاد العالمي العام الماضي، هو بمنزلة الأرضية التي سيبني عليها خلال العام الجديد، فهذا يعني أنه يبدأ العام الجديد من نقطة قريبة من القاع على منحنى الأداء.

من الجدير بالذكر أن العديد من نقاط الضعف في الأداء الاقتصادي العالمي خلال العام الماضي كان له سبب سياسي، فالتراجع الاقتصادي لروسيا كان بسبب العقوبات الغربية المفروضة عليها، نتيجة موقفها من الأزمة الأوكرانية. والأوضاع الاقتصادية غير المستقرة لبعض اقتصادات منطقة الشرق الأوسط، حدث بسبب معاناة هذه الدول انتشار الإرهاب وعدم الاستقرار السياسي والأمني. وفي المنطقة ذاتها يعاني اقتصاد إيران كثيراً بسبب العقوبات المفروضة عليها من الغرب، جراء برنامجها النووي المثير للجدل. وفي مناطق أخرى من العالم هناك أيضاً وجود للعوامل السياسية ودورها الضاغط على الأداء الاقتصادي، فالأرجنتين مثلاً عانت كثيراً مؤخراً بسبب توتر علاقاتها السياسية مع دائنيها. ومن دون شك ستظل هذه العوامل السياسية، في حال لم يتم حلها، عاملاً ضاغطاً على اقتصادات هذه الدول وبالتالي على الاقتصاد العالمي خلال العام الجديد.

وما تشهده أسواق النفط العالمية من تنافس بين مصادر النفط التقليدية من ناحية والنفط الصخري من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهله في معرض تناول المتغيرات التي ترسم ملامح التغيير الجاري في الاقتصاد العالمي، وهذا التنافس بدوره سيظل صاحب دور محوري في توجيه بوصلة الاقتصاد العالمي خلال العام الجديد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات