الاقتصاد العالمي بين المخاطر والفرص

  • 26 يناير 2015

قام «صندوق النقد الدولي»، خلال الأيام القليلة الماضية، بتقليص توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في عام 2015 إلى نحو %3.5، بدلاً من %3.8 في توقعاته السابقة. وهذا يؤكد أن الاقتصاد العالمي مازال يعيش حالة من عدم اليقين، برغم مرور أكثر من سبعة أعوام على اندلاع أزمة الرهن العقاري الأمريكية في عام 2007، وتحولها في العام التالي إلى أزمة مالية عالمية واسعة النطاق، برغم ما اتَّخذته الدول من سياسات تحفيزية طوال هذه الفترة.

فبرغم تعدد مظاهر التعافي في الاقتصاد الأمريكي خلال الفترة الماضية، والتي تمثّلت في تمكنه من محاصرة مظاهر البطالة وانهيار المؤسسات المالية والمصرفية، واستطاعته تغيير اتجاه بوصلة الأداء من الانكماش والتباطؤ إلى النمو الإيجابي، فإن مظاهر الأزمة المتفاقمة في باقي مناطق العالم ما زالت تمثل عقبة كبيرة أمام الاقتصاد العالمي. فمنطقة اليورو، مازالت تعاني ارتفاعاً في البطالة وتضخماً في المديونيات الحكومية وتدهوراً في قيمة اليورو، وقد تتعرض لأحد التهديدات الوجودية مستقبلاً، في حال خروج اليونان منها.

بالتوازي مع ذلك، مازال العديد من الاقتصادات الكبرى، كالاقتصاد الياباني والاقتصاد البريطاني، تعاني تباطؤاً شديداً في النمو وثقلاً في المديونية الحكومية. وتعيش الاقتصادات الصاعدة أيضاً، أزمات مماثلة، فالصين، وهي أكبر اقتصاد صاعد تمر بمرحلة إعادة تصحيح في معدلات النمو وتعاني ضعفاً غير مسبوق في حجم الصادرات ونزوحاً لرؤوس الأموال. كما يرزح الاقتصاد الروسي تحت أزمة اقتصادية طاحنة، بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، وتراجع الإيرادات النفطية بفعل تراجع أسعار النفط، ويتوقع أن ينكمش هذا الاقتصاد بسبب ذلك، بنحو %3 في عام 2015، وفق تقديرات «صندوق النقد الدولي».

وليس التراجع الحالي في أسعار النفط العالمية إلا مظهراً من مظاهر الضعف التي يعانيها الاقتصاد العالمي، فهذا التراجع ناتج في جزء كبير منه عن الضعف الشديد في الطلب العالمي على النفط، الناتج في الأساس عن ضعف النمو الاقتصادي العالمي، وضعف الطلب قلَّص قدرة سوق النفط العالمية على استيعاب الإمدادات النفطية المتزايدة، الأمر الذي تسبب في تغيير نمط العلاقة بين جانبي الطلب والعرض فيها، فتحولت إلى حالة فائض عرض مزمنة، ما وضع الأسعار في مواجهة ضغوط شديدة دفعتها إلى الانخفاض الكبير والسريع.

هناك تهديد آخر يلوح في الأفق، فقد توقعت دراسة حديثة، صادرة عن مؤسسة «ماكينزي»، أن تشهد العقود الخمسة المقبلة تراجعاً في معدلات النمو السكاني العالمي. وفي حال حدوث ذلك، فإنه سيولد ضغوطاً جديدة على الأداء الاقتصادي العالمي، إذ إنه سيتسبب في: أولاً، انكماش في حجم القوى العاملة القادرة على الإنتاج والمشاركة في النشاط الاقتصادي العالمي. ثانياً، تقليص الطلب الاستهلاكي العالمي، الذي هو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي. وفي المجمل، يرجح أن يتسبب النمو السكاني العالمي الضعيف في تقليص النمو في أكبر 20 اقتصاداً في العالم بنحو %40 خلال العقود الخمسة المقبلة، وهو مؤشر إلى ما سيعانيه الاقتصاد العالمي كله من ضغوط جديدة.

نهاية، فإن استمرار تداعيات الأزمة المالية العالمية طوال هذه الفترة من الزمن، يؤكد أن السياسات التحفيزية التي اتخذتها الدول طوال تلك الفترة لم تؤتِ ثمارها، وأنه مازالت هناك حاجة ماسّة إلى المزيد من هذه السياسات، على أن تستوفي هذه السياسات شرطين أساسيين، هما: أولاً، أن تتخلى الدول عن النهج الفردي، لتزيد من مستوى التنسيق ووحدة الصف في مواجهة الأزمات. ثانياً، أن تعتمد هذه السياسات على الابتكار والتجديد، بما يتناسب مع طبيعة المشكلات والتهديدات السريعة التغيير.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات