الاقتصاد العالمي أمام حقائق جديدة

  • 15 فبراير 2014

منذ فترة وجيزة، لم يكن أحدٌ يتوقع أن تمثل الأسواق الناشئة يوماً ما مصدراً للتهديد بالنسبة إلى التعافي الاقتصادي العالمي، فلطالما تم التعويل عليها لكي تكون هي الرافعة والمحركة للنمو، وبالتالي قيادة ذلك التعافي خلال السنوات المقبلة، لكن ما شهدته خلال الشهور الأخيرة، من تراجعات واسعة في قيم عملاتها المحلية، وارتفاع معدلات التضخم فيها، وانسحاب سريع لرؤوس الأموال الأجنبية منها، وتراجع فوائضها التجارية، أو تحول تلك الفوائض إلى عجوزات صافية، وتباطؤ في معدلات نموها الاقتصادي، كان بمنزلة إشارة تنبيه لفتت الانتباه إلى عوامل ضعف وتهديدات قد تكون كامنة في الأسواق الناشئة، وقد يكون لها صداها على الأداء الاقتصادي العالمي خلال الفترات المقبلة.

وبعد أن اختتمت معظم عملات الأسواق الناشئة العام الماضي بانخفاضات كبيرة، وصلت إلى مداها في اقتصادات مثل الاقتصاد الهندي، الذي فقدت عملته «الروبية» نحو 11% من قيمتها، ووصل انخفاضها في بعض الفترات من ذلك العام إلى 40%، فإن بداية العام الجاري بدورها لم تحمل أنباء إيجابية بالنسبة إلى تلك الأسواق، وكانت بداية قاتمة للعديد منها، فمنذ بداية العام تراجعت العملة الكورية الجنوبية "الوون" بنحو 3%، وتراجع "الروبل" الروسي بنحو 5.5%، وفقدت الليرة التركية نحو 7% من قيمتها، ولم يختلف الوضع كثيراً في  باقي الاقتصادات، ووصل التراجع إلى مداه في الأرجنتين، التي فقدت عملتها المحلية "البيزو" نحو 19%، ولم تشذ عن القاعدة سوى الصين، صاحبة أكبر اقتصاد ناشئ في العالم، فهي السوق الناشئة الوحيدة التي ارتفعت قيمة عملتها "اليوان" خلال الفترة المنقضية من العام.

بمجيئها بعد سنوات طويلة من النمو السريع، فإن التطورات الأخيرة وغير الإيجابية في الأسواق الناشئة، تلفت الانتباه إلى عدد من الحقائق المتعلقة بأوضاعها الاقتصادية الهشة، التي يجب أخذها بعين الاعتبار؛ لتجنب التهديدات التي يمكن أن تنشأ عنها فيما بعد، الحقيقة الأولى منها، تشير إلى أن هذه الاقتصادات تعاني الآن نوعاً من الاختلال الهيكلي، وأن النمو السريع الذي عايشته خلال الأعوام الماضية تركز في قطاعات بعينها على حساب قطاعات أخرى، وبرغم أن من هذه الاقتصادات ما شهد طفرة صناعية كبيرة كما حدث في دول مثل الصين وكوريا الجنوبية، فإن اقتصادات أخرى تركزت الطفرة التي شهدتها في قطاعات، مثل تصدير المواد الأولية ومدخلات الإنتاج، وقد تكون دول مثل الأرجنتين ودول أوروبا الشرقية مثالاً على ذلك.

الحقيقة الثانية، أنه بقدر ما نمت الاقتصادات الناشئة في السنوات السابقة، وبقدر ما تمتلك من إمكانات تؤهلها للمزيد من النمو في المستقبل، في ظل نموها السكاني وتوسع أسواقها المحلية، لكنها تظل بحاجة إلى الاقتصادات المتقدمة لتوليد الطلب على منتجاتها، الذي ظل أحد محركات نموها في الماضي، والتي كان انسحاب رؤوس الأموال المنتمية إليها أيضاً سبباً رئيسياً للمخاطر التي تكتنفها الآن. الحقيقة الثالثة، لا تتعلق بالأسواق الناشئة في حد ذاتها، بقدر ما تتعلق بأن تعاون الدول والحكومات حول العالم وعملها الجماعي خلال السنوات الماضية لم يرتق إلى مستوى الأزمة المالية العالمية وتهديداتها، حيث لم تنجح الحكومات في تغليب النزعة التعاونية على نزعتها الفردية، وهو ما يثير التساؤلات بشأن ما سيكون عليه مستقبل النظام الاقتصادي العالمي، ومدى فاعلية المؤسسات الاقتصادية الدولية فيه، في حال حدوث أزمات جديدة أو موجات جديدة للأزمة الحالية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات