الاقتصاد العالمي‮ ‬وشبح الركود

  • 13 أكتوبر 2011

تغيّر المشهد الإيجابي الذي ساد الاقتصاد العالمي خلال الفترة من منتصف عام 2009 حتى منتصف عام 2010 بشكل كلّي خلال الشهور التالية، ليتحوّل منذ الربع الأخير من عام 2010 إلى مشهد تسوده القتامة، فبدا الاقتصاد العالمي محاصراً بعدد من التحدّيات، ليغيّر مساره ويدخل موجة جديدة من “الأزمة المالية العالمية” تعيده مرة أخرى إلى منطقة التهديد، حتى أن صورته الحالية تبدو مشابهة كثيراً لما كان عليه الوضع في المراحل الأولى للأزمة.

بدأت الموجة الثانية لـ “الأزمة المالية العالمية” عندما تسبّب توسّع الحكومات في الاقتصادات الكبرى في الإنفاق على خطط التحفيز الاقتصادي بالاعتماد على موارد غير حقيقية، كما أن استخدام أموال ميزانيات التحفيز في إنقاذ المؤسسات المالية المتعثرة وعدم توجيه نصيب كافٍ منها إلى الجوانب الحقيقية من الاقتصاد تسبّبا في تبديد النسبة الكبرى من تلك الأموال دون مردود إيجابي يذكر، وكانت النتيجة أن تراكمت المديونية الحكومية وارتفعت أعباؤها من أقساط وفوائد بشكل استثنائي في عدد من الاقتصادات الكبرى بالإضافة إلى بعض الاقتصادات الأوروبية.

لم تعد معظم الاقتصادات الكبرى قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه المديونيات المستحقة في الأجل القصير ومن ثم تحفيز اقتصاداتها على النمو إلا من خلال أحد ثلاثة خيارات: أولها تقليص الإنفاق العام (سياسة التقشف)، وثانيها إصدار المزيد من السندات الحكومية (الاستدانة)، وثالثها طباعة المزيد من البنكنوت (التيسير الكمّي)، والخيارات الثلاثة في مجموعها غير مفضّلة في مثل الظروف التي يمر بها الاقتصاد العالمي حالياً، فالخيار الأول سيدفع إلى تباطؤ معدّلات النمو الذي قد ينتهي إلى حالة من الركود المزمن، والخياران الثاني والثالث وإن كانا سيبقيان على فرص النمو فإنهما يجلبان المزيد من المشكلات، خاصة في الأجل الطويل، فالخيار الثاني سيؤدّي إلى تضخّم المديونية، والخيار الثالث سيولّد المزيد من الضغوط التضخميّة.

لا يمكن القول إن هناك خياراً معيّناً تعتمد عليه الاقتصادات المتعثرة بشكل كلّي في مواجهة أزمتها المالية الحالية، فبعض الحكومات تفضّل المزج بين الخيارين الأول والثاني، عبر تقليص حجم الإنفاق وإصدار المزيد من السندات الحكومية، وهناك اقتصادات تفضّل المزج بين الخيارين الثاني والثالث، عبر إصدار المزيد من السندات الحكومية وطباعة البنكنوت، ويبقى مصير الاقتصاد العالمي مرهوناً بالمحصّلة الإجمالية بتداعيات التحرّكات الأوروبية والأمريكية في هذا الشأن، كما أنه يعتمد بشكل كبير على مدى نجاح الطرفين في إخراج اقتصاديهما من الدائرة المفرغة التي يدوران فيها منذ فترة.

يبدو الاقتصاد العالمي في ظل هذه المعطيات مقبلاً على حالة من الركود، خاصة أنه وبفرض تمكّن الدول الأوروبية والولايات المتحدة من إخراج اقتصاداتها من الأزمة فإن هذا سيستغرق وقتاً ليس بالقصير، وتزداد فرص الركود في ظل اقتراب معدّلات نمو الاقتصادات المتقدّمة في الوقت الحالي من الصفر بعد حالة التباطؤ التي عاشتها خلال الفترة الماضية، وإلى جانب ذلك فإن عدم تمكّن الاقتصادات الصاعدة من جذب الاقتصاد العالمي نحو النمو السريع، يزيد من احتمالات هذا الركود.

Share