الاقتصاد العالميّ‮ ‬بين الركود والتضخّم

  • 14 أبريل 2011

يعيش الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي حالة من الانتعاش الهشّ والضعيف من آثار "الأزمة المالية العالمية"، فهو لم يتمكّن منذ بداية تعافيه من آثار "الأزمة" من النمو بمعدلات تتساوى مع تلك المعدلات التي دأب عليها قبل "الأزمة"، ففي حين تجاوزت معدلات النمو في سنوات ما قبل "الأزمة" مستوى 5% سنوياً، فلم يتخطَّ نموّه في فترة ما بعد الأزمة نحو 3%.

وإلى جانب هشاشة النمو وضعفه يعاني الاقتصاد العالمي حالياً الاختلال المزمن في معدلات النمو، ففي الوقت الذي تتجاوز فيه معدلات نمو الاقتصادات الصاعدة مستوى 6.5% فإن الاقتصادات المتقدمة لا تنمو بأكثر من 2.5%، بالرغم من أن الاقتصادات المتقدمة ما زالت هي المصدر الرئيسي للطلب الاستهلاكي المحرك بدوره للنمو الاقتصادي العالمي، وما زال الاقتصاد العالمي أيضاً يواجه العديد من المشكلات الهيكلية التي تبدو مظاهرها في استمرار ارتفاع معدلات البطالة وضعف الإنتاج الصناعي وتدنّي مستويات ثقة المستهلكين والمستثمرين بالأداء الاقتصادي.

يتطلّب تخليص الاقتصاد العالمي من المصاعب التي يعانيها حالياً ضخّ المزيد من السيولة في الدورة الاقتصادية، عبر استمرار الحكومات في سياسات التيسير الكمّي والإبقاء على معدلات الفائدة المصرفية عند مستويات منخفضة لتشجيع الاستثمار وتحفيز الإنفاق الاستهلاكي، بالتوازي مع الإبقاء على الإنفاق الحكومي عند مستويات مرتفعة، بما يصبّ في النهاية في اتجاه دعم الطلب الكليّ، ويحفز النمو الاقتصادي ويمتصّ الأرصدة المتراكمة من البطالة ويدعم الثقة بالمناخ الاقتصادي العالمي.

إن كانت الأوضاع الاقتصادية العالمية الحالية تسمح بالاستمرار ولو لبعض الوقت في ضخّ سيولة إضافية في عصب الاقتصاد العالمي بما يحفّز النمو فترة ما في المستقبل، فإن هذه الأوضاع لن تسمح للحكومات بالاستمرار في هذا الاتجاه طويلاً، ففي ظل الارتفاع الحالي والقياسي لأسعار السلع الأوليّة، التي بلغت وفقاً لـ "منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة" (الفاو)، أعلى مستوى لها على الإطلاق خلال الشهرين الأخيرين، تتنامى في الأفق نذرٌ تضخميةٌ خطِرة تهدّد بارتفاع معدلات التضخم العالمية إلى مستويات مضرّة بالتعافي الاقتصادي ذاته، وفي مثل هذه الظروف تتقلّص كثيراً هوامش الحركة المتاحة أمام الحكومات للمضي قُدماً في سياسات التيسير الكمي، ففي مثل هذه الظروف لا تمثّل هذه السياسات أكثر من إذكاء للضغوط التضخمية، وتنحصر معظم آثارها في تآكل القوى الشرائية للنفقات والتهديد بعدم الاستقرار المالي والنقدي، من دون أن يكون لها تأثير إيجابي كبير في معدلات النمو ومن ثم التعافي الاقتصادي العالمي.

عندما يتقلّص هامش الحركة المتاح أمام حكومات العالم لتقديم الدعم الضروري للنمو الاقتصادي العالمي، وعندما يتزامن ذلك مع تنامي الضغوط التضخميّة العالمية كما هو الوضع حالياً، فإن هذه المعطيات تنذر بأن تتحوّل أزمة الاقتصاد العالمي من مجرد أزمة ذات وجه أحادي، وهو الركود، إلى أزمة ذات وجهين، بأن يظلّ الركود قابعاً كوجه أول ومزمن للأزمة، وأن يضاف إليه التضخّم كوجه آخر، ليجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام معضلة تسمّى "الركود التضخّمي".

Share