الاقتصاد الإقليمي.. كورونا يواصل تغيير توقعات النمو

  • 16 يوليو 2020

منذ أن هبَّت رياح فيروس كورونا المستجد على العالم تنبهت المؤسسات الاقتصادية العالمية إلى أن الأثر الأكبر للفيروس سيكون في الاقتصاد العالمي واقتصادات الدول؛ ليتابع صندوق النقد الدولي، منذ هذا المنطلق، إصدار توقعاته بشأن النمو، ذاهباً في كل مرَّة إلى توقعات أكثر قتامة.

 

مؤخراً، وخلال الحديث في مؤتمر عُقِد عبر الإنترنت بمناسبة صدور تقرير صندوق النقد الدولي الخاص بـ«مستجدات آفاق الاقتصاد الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى»، توقع جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق تراجع اقتصاد الشرق الأوسط بنسبة 5.1% عام 2020، وتراجع النمو في الدول المصدّرة للنفط في المنطقة بنسبة 3.7% عام 2020، قائلاً إن الصدمة المزدوجة، المتمثلة في «كوفيد-19» وانخفاض أسعار النفط، ستصل بخسائر قطاعها النفطي إلى 270 مليار دولار هذا العام، مشيراً إلى أن تعافي الأسعار مرهون بارتفاع الأنشطة التجارية الذي ينعكس على ارتفاع الطلب، واتفاق دول «أوبك» بشأن حجم الإنتاج، وأسعار النفط الصخري، والاحتياطيات العالمية من النفط.

توقعات يوليو الجاري، التي جاءت أقل نقطتين بخصوص تراجع اقتصاد الشرق الأوسط عن تلك الصادرة في إبريل الماضي، وأقل ثلاث نقاط من توقعات النمو في الدول المصدّرة للنفط، لم تُثْنِ أزعور عن الإشادة بالإجراءات التي اتخذتها دولة الإمارات في احتواء تداعيات جائحة كورونا، واستخدام التكنولوجيا في احتواء الفيروس؛ ما قلل من تداعياته على الاقتصاد، مشيراً إلى أنها تمكنت من الاحتفاظ بقدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية؛ وهو ما يُعزَى إلى الحصص الكبيرة التي امتلكتها خلال الأشهر الأخيرة التي أعقبت الأزمة في الأسواق الدولية، وتصنيفها الائتماني المرتفع، والتدابير المالية التي تجسدت بإعلان المصرف المركزي حزمة محفّزات لدعم العديد من القطاعات، وأهمها البنوك والشركات الصغيرة والمتوسطة. وكان الصندوق قد توقع، في مايو الماضي، أن تحقق دولة الإمارات العام المقبل (2021) نمواً اقتصادياً حقيقياً في ناتجها المحلي بنسبة 3.3%، وارتفاع مؤشر أسعار المستهلك في الدولة بنسبة 1.5%، وارتفاع نسبة الفائض في ميزان المدفوعات إلى الناتج الإجمالي المحلي إلى 4.1%.

وبالعودة إلى قتامة توقعات «الصندوق» حول اقتصادات المنطقة؛ فإن خطورة التراجع المتوقَّع تكمن في أن أثرها الأكبر سينعكس على ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وزيادة عجز الميزانيات، وارتفاع الدَّين العام، حيث جاء تركيز أزعور على الدول التي تشهد نزاعات، حين قال إن توقعات الصندوق تشير إلى انكماش اقتصادات هذه الدول بنسبة 13%، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها من 2900 دولار في (2018/2019) إلى 2000 دولار فقط في عام 2020؛ الأمر الذي يزيد من «حدَّة التحديات الاقتصادية والإنسانية القائمة، ويرفع مستويات الفقر المرتفعة في الأصل»، ويمكن أن يخلق تحديات أمام المحافظة على استقرار حكومات المنطقة، بحسب أزعور.

كل هذه التوقعات، التي يصفها البعض بأنها تذهب في التشاؤم إلى حدوده القصوى، وبأنها مبالَغ فيها؛ كونَ الصندوق مؤسسة مالية مقرضة، تستدعي التوقف عندها من دون إطلاق الأحكام؛ فحالة عدم اليقين الاقتصادي، التي خلفها انتشار وباء كورونا المستجد، وإجراءات الإغلاق التي عطَّلت حركة التنقل والإنتاج والتوريد، وأثرت في قطاعات التجارة الخارجية والسياحة والاستثمار، ستنعكس سلباً على تردي الأحوال المعيشية للأفراد والمجتمعات، وستؤثر في منسوب الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في الدول؛ ولذلك تأتي الأولوية الآن في ضرورة التوسع بسياسات الدول؛ للخروج من جانبها المالي إلى جوانب أكثر رحابة تتعلق باعتماد سياسات اقتصادية تقوم على قواعد العدالة والحماية الاجتماعية، وتبحث عن بدائل للشباب الذين فقدوا أعمالهم، والشركات الصغيرة والمتوسطة التي باتت مهدَّدة بالإفلاس، أو تراكم الديون.

صحيح أن توقعات العام المقبل بخصوص النمو تبدو أفضل حالاً من العام الجاري، لكن هذا العام ما زال فيه أشهر تعادل تقريباً ما مضى؛ ولذلك لا بد من التفكير في أثر تراجع النمو بدول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والأسر المنخفضة الدخل؛ لكونه يهدد التقدم الذي تم إحرازه في الحد من انتشار الفقر، ويؤثر في قطاع العمل، ولاسيَّما في ظل توقعات منظمة العمل الدولية، التي قدَّرت خسارة أكثر من 300 مليون وظيفة في الربع الثاني من العام الجاري.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات