الاقتصاد الإسرائيلي يعيش أزمة تفاقمها الانتفاضة

الاقتصاد الإسرائيلي يعيش أزمة تفاقمها الانتفاضة

  • 11 مايو 2002

يعيش الاقتصاد الإسرائيلي مظاهر أزمة حقيقية تجمعت خلالها معظم العوامل التي يمكن أن تهز أي اقتصاد مهما كان حجمه وقدر تنوعه ومرونته. ولا تنبع تلك الأزمة من أعباء العمليات العسكرية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وكلفة مواجهة الرد عليها فقط، ولكنها تنبع أيضا من عوامل بنيوية أعمق. فالعمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية وصلت بالخلل إلى ذروته، وكشفت عمق أزمة مستعصية يعاني منها اقتصاد الدولة العبرية، كانت تفاعلاتها بدأت منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر 2000. وانعكست هذه الأزمة أخيرا في مظاهر عدة، أهمها ارتفاع معدلات البطالة وهبوط سعر العملة وانكماش الاقتصاد، الأمر الذي دفع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيرييل شارون إلى تبني خطة إنقاذ للاقتصاد تعتمد على التقشف كأساس لتعويض ما تنفقه الحكومة على الأعمال العسكرية. لقد بدا واضحا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وما يترتب عليها من أعمال المقاومة لا تمر من دون ثمن اقتصادي تدفعه الدولة العبرية. وقد برهن على ذلك ما يعيشه الاقتصاد الإسرائيلي حاليا من أزمة حقيقية لم تنشأ عن عوامل طارئة تتعلق بهروب مفاجئ لرؤوس الأموال أو انخفاض حاد في سعر العملة، وهي الأمور التي يمكن للمساعدات المالية الدولية أن تحد من تأثيرها، بل هي أزمة اتجاهات اقتصادية أساسية نشأت عن تعثر أبرز النشاطات الاقتصادية وتعطل الكثير منها، مما قاد إلى ركود اقتصادي خانق. وجاء التصعيد العسكري العدواني الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في شهر أبريل 2002 وما استلزمه من إنفاق وتكاليف، ليكشف مظاهر الأزمة الاقتصادية الإسرائيلية؛ إذ تقدر بعض المصادر كلفة العمليات الإسرائيلية خلال الشهر المذكور وحده بنحو 300 مليون شيكل إسرائيلي (65 مليون دولار)، وهو الأمر الذي أدى إلى تجاوز الحكومة السقف المحدد لإنفاقها العسكري طيلة العام 2002 قبل أن ينتهي الثلث الأول من العام. لعل أبرز المظاهر للأزمة الحالية في الاقتصاد الإسرائيلي انعكست من خلال الانخفاض المستمر في قيمة العملة والإجراءات الطارئة التي أقرتها الحكومة لمواجهة العجز في الميزانية. فقد حدث هبوط حاد في قيمة العملة الإسرائيلية لتبلغ مع مطلع شهر مايو 2002 نحو 4.9066 شيكل للدولار الواحد. وتفاقم هذا الهبوط بشكل واضح مع الإعلان في الأسبوع الماضي عن خطة الحكومة الاقتصادية الطارئة وإقرارها، وهي الخطة التي استهدفت خفض الإنفاق وزيادة الضرائب من أجل كبح العجز المتصاعد في الميزانية الذي بلغ مستويات قياسية. وكانت الميزانية الأصلية التي أعلنت في فبراير 2002 انطوت على خفض في الإنفاق عن الميزانية السابقة بمقدار 6.15 مليار شيكل. وقد استهدفت خطة الإنقاذ الجديدة تجنب أزمة مالية، وذلك من خلال خفض الإنفاق على الخدمات الاجتماعية بواقع ستة مليارات شيكل (1.2 مليار دولار). وإذا كان هذا الخفض لا يكفل منع العجز من الارتفاع عن النسبة المستهدفة من الناتج المحلي الإجمالي عند %3 إلى ما يتراوح ما بين %3.5 إلى %3.9، فقد عمدت الخطة أيضا إلى زيادة الضرائب ورفع الرسوم على بعض المنتجات إلى جانب تجميد الأجور وخفض العلاوات والإعانات الاجتماعية. ولكن مهما كانت طبيعة تلك الخطة وما ستثيره من خلافات متوقعة داخل المجتمع الإسرائيلي فإنها تبقى وسيلة آنية لمعالجة مشكلة طارئة تتعلق بتفاقم عجز الميزانية. وحسب توقعات المراقبين فإن تلك الخطة لن تكفل معالجة جذرية وقريبة للمشكلات الأساسية التي يواجهها الاقتصاد الإسرائيلي. وتنبع هذه المشكلات بالدرجة الأولى من التدهور الخطير الذي أصاب عموم النشاط الاقتصادي، والذي نجم عن الانتفاضة في الأراضي الفلسطينية المحتلة مع غياب ما يوحي بتحسن وشيك في هذا النشاط. إذ يمتد تعثر النشاط إلى أهم القطاعات الاقتصادية وأكثرها حيوية بما في ذلك قطاعات الصناعة والتصدير والسياحة، مما يتوقع أن يعرقل أي إمكانية للإصلاح الاقتصادي وتخفيف عجز الميزانية. ويتوقع اقتصاديون أن يسجل الاقتصاد الإسرائيلي انكماشا في الناتج المحلي الإجمالي خلال العام 2002 قد يصل إلى %1 مقابل ما توقعته وزارة المالية من نمو بنسبة %4 قبل أن تتفاقم الخسائر الاقتصادية على النحو الذي شهدته شهور الثلث الأول من العام نفسه. إن أرقاما عدة توضح أن الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الإسرائيلي أعمق بكثير من قدرة خطة اقتصادية طارئة على حلها؛ فقد تراجع الإنتاج الصناعي خلال العام 2001 بنسبة %4، ما أدى إلى تسريح نحو 14 ألف عامل، كما تقلصت الاستثمارات الصناعية بنسبة %19، وارتفع معدل البطالة إلى نحو %10.، ومن المتوقع أن ينخفض عدد السائحين القادمين إلى إسرائيل خلال عام 2001-2002 إلى نحو مليون سائح، مقارنة مع التوقعات السابقة التي قدرت عدد السائحين المتوقع وصولهم بنحو 3.2 مليون سائح، كما انخفضت الصادرات الإسرائيلية خلال الربع الأول من العام 2002 بنسبة %18 إلى ما قيمته 4.3 مليار دولار.

Share