الافتتاحية: 2019 عام الإنجازات الإماراتية وتفاقم في التحديات الإقليمية والدولية

  • 31 ديسمبر 2019

كان 2019 عاماً حافلاً بالتطورات المهمة على كل المستويات المحلية والإقليمية والعالمية؛ حيث تحققت فيه إنجازات كبيرة، بل وغير مسبوقة على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة، كما ظهرت تحديات وتفاقمت أخرى على المستوى الإقليمي، بينما تسود الضبابية الساحة العالمية، خاصة مع تبدل التحالفات، وظهور بوادر نزاعات تجارية بين الشركاء الحلفاء منهم وغير الحلفاء.
أولاً، على المستوى المحلي: حققت دولة الإمارات العربية المتحدة إنجازات غير مسبوقة في مختلف المجالات؛ حيث واصلت تصدر العديد من المؤشرات الإقليمية والدولية، من بينها وربما أهمها، المركز الأول عربياً والثاني عشر عالمياً ضمن أكثر الدول تنافسية في مؤشر التنافسية الرقمية لعام 2019، متقدمة خمس مراتب عن تصنيف عام 2018، كما حققت المرتبة الأولى عربياً، والثانية عالمياً، في محور «التكنولوجيا»، والأولى عربياً، والتاسعة عالمياً، في محور «الجاهزية للمستقبل»؛ وتقدمت في العديد من المؤشرات التي عززت موقع الدولة الاقتصادي ومكانتها الإقليمية والدولية. كما واصلت سياسة التمكين تحقيق إنجازات مهمة، حيث أجريت انتخابات المجلس الوطني الاتحادي التي حظيت باهتمام واضح، بينما تعزز دور المرأة فيه بشكل لافت للنظر، بعد أن أصبحت تشكل نصفه تماماً، في سابقة على مستوى المنطقة والعالم العربي. أما في المجال السياسي فقد واصلت الدبلوماسية الإماراتية تحقيق الإنجازات، حيث تعززت العلاقات الثنائية مع مختلف دول العالم، وخاصة الكبرى منها كروسيا التي قام رئيسها بزيارة تاريخية إلى الدولة تم خلالها توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم مهمة؛ وكذلك الصين والهند، والعديد من الدول الأوروبية، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة. كما حققت الدبلوماسية إنجازاً مهماً، حيث عزز جواز السفر الإماراتي مركزه في صدارة دول العالم، وبات لحامله الآن أن يدخل 180 دولة من دون تأشيرة مسبقة، وذلك من أصل 198 دولة حول العالم؛ وهذا يعكس المكانة التي تتمتع بها الدولة.
وفي المجال العلمي، فقد حققت الدولة إنجازاً تاريخياً غير مسبوق حيث تمكنت من إيصال أول رائد فضاء إماراتي وعربي إلى محطة الفضاء الدولية؛ ما يعكس مدى الاهتمام الذي توليه الدولة لعلوم الفضاء وهي تخطو بثبات نحو الريادة والتميز.
وقد كانت الدولة هذا العام محط أنظار العالم على صعيد التسامح، وهي تواصل دورها الريادي في تعزيز قيم التسامح على مستوى محلي وعالمي، وخاصة بعد توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية من قِبل أكبر مرجعين دينيين عالميين على أرض الإمارات وبرعايتها كاملة، عكست مدى المكانة التي تحتلها الدولة في هذا السياق.
أما على المستوى الإقليمي، فقد شهدت المنطقة تطورات خطيرة؛ حيث واصلت إيران دورها المزعزع للاستقرار الإقليمي، وزادت تدخلاتها السافرة في شؤون دول المنطقة، وقامت بتهديد خطير للملاحة البحرية في مضيق هرمز، وكادت تصرفاتها غير العقلانية أن تقود إلى حرب في الخليج العربي، بوقوفها وراء الهجمات التي استهدفت سفناً تجارية عدة، كما تؤكد كل المؤشرات. كما واصلت دعم الميليشيات والجماعات الإرهابية في المنطقة؛ فبرغم الحظر الأممي على توريد السلاح لجماعة الحوثي الإرهابية التي قامت بانقلاب كارثي على الشرعية في اليمن، لم تتورع طهران عن تأكيد تقديمها الدعم لهذه الجماعة التي تسببت ليس في دمار البلاد وتجويع الناس وتهجيرهم فقط، ولكن في زعزعة الاستقرار الإقليمي وتهديد الملاحة في البحر الأحمر أيضاً؛ بل وهددت بشكل غير مسبوق أمن الطاقة العالمي عندما استهدفت شركة أرامكو السعودية، وتسببت في تعطيل عشرة بالمئة من الإنتاج العالمي؛ وقد أكدت كل التقارير أن الهجمات مرتبطة بشكل أو بآخر بإيران، حيث ثبت أن الصواريخ التي استخدمت كانت إيرانية.
وبسبب سلوكها العدائي وتخوف العالم من برنامجها النووي، قامت الولايات المتحدة بزيادة الضغوطات على طهران، حيث فرضت عليها حزمة من العقوبات التي أثرت بشكل واضح في اقتصادها المتهالك، ما سبب موجة من الاحتجاجات الشعبية التي راح ضحيتها مئات الأشخاص نتيجة القمع الذي تعرضت له.
وعربياً شهد عدد من الدول العربية موجة من الاحتجاجات الواسعة بدأت في السودان في ديسمبر 2018، حيث قادت قوى الحرية والتغيير مظاهرات كبيرة طالبت بشكل رئيسي بإسقاط النظام، وهو ما استجاب له الجيش، حيث أطاح في إبريل عمر حسن البشير، وتولى بعده إدارة شؤون البلاد المجلس السيادي وحكومة انتقالية، حظيت بدعم عربي ودولي واضحين.
وفي فبراير، اندلعت احتجاجات واسعة في الجزائر ضد ترشح الرئيس الأسبق عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة خامسة؛ وبرغم الوعود التي قدمها بأن تكون الأخيرة وإجراء إصلاحات، فقد أصر الشارع على رحيله، وهو ما تم في إبريل حيث استقال بوتفليقة، وتولى بعده رئيس البرلمان إدارة شؤون البلاد تحت إشراف المؤسسة العسكرية بزعامة نائب وزير الدفاع وقائد الجيش الفريق أحمد صالح قايد الذي وافته المنية بعد أيام من إجراء الانتخابات الرئاسية التي فاز بها عبدالمجيد تبون من الجولة الأولى.
ولم يمضِ وقت طويل حتى اندلعت الأحداث في لبنان ضد الفساد والطائفية السياسية، وكانت تطالب باستقالة الحكومة التي تحققت باستقالة سعد الحريري؛ وما زالت البلاد تعيش مخاض تشكيل حكومة جديدة، حيث تواجه المكلَّف بتشكيلها حسان دياب تحديات كبيرة أهمها رفض الشارع له لأنه جاء بصفقة دبرها حزب الله والقوى المتحالفة معه.
أما في العراق فقد كان المشهد مغايراً إلى حد كبير؛ حيث اندلعت احتجاجات غير مسبوقة ضد الفساد والأحزاب السياسية الحاكمة، ولكنها جوبهت بعنف من قبل قوات الأمن وميليشيا الحشد الشعبي، حيث سقط مئات القتلى وآلاف الجرحى، في أسوأ موجة مظاهرات منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003؛ وما زالت البلاد عاجزة عن اختيار رئيس وزراء جديد خلفاً للمستقيل عادل عبد المهدي، وذلك بسبب تدخل إيران وإصرارها على تسمية شخصية موالية لها.
وفي ليبيا، ما زال الهجوم الذي يشنه الجنرال خليفة حفتر للسيطرة على طرابلس يخيم على المشهد الليبي برمته، حيث تزداد المخاوف من تأجيج حدة الصراع، وخاصة بعد أن طلبت حكومة الوفاق المعترف بها دولياً دعماً تركياً عسكرياً مباشراً بعد توقيع اتفاقية عسكرية خاصة معها، ما أثار حفيظة العديد من الدول وزاد المخاوف من اندلاع حرب إقليمية أوسع.
أما القضية الفلسطينية، فقد واجهت تحديات غير مسبوقة، حيث زادت الولايات المتحدة ضغوطاتها على الفلسطينيين، بحرمانهم من المساعدات، كما شرعنت الاستيطان وقدمت دعماً غير مسبوق لحكومة الاحتلال.
وبرغم الهدوء الذي ساد المشهد السوري خلال عام 2019 بعد ثماني سنوات من النزاع المسلح، فلم يتحقق الكثير على طريق الحل السياسي باستثناء تشكيل اللجنة الدستورية التي يسود الخلاف بين أعضائها بسبب عدم الاتفاق على الهدف الأساسي لها، وهو تعديل الدستور أو وضع دستور جديد؛ هذا بينما انفجرت الأوضاع مجدداً في الشمال الغربي بسبب هجمات النظام المدعوم من روسيا على إدلب والتي تسببت بمقتل المئات من المدنيين، ونزوح عشرات الآلاف.
وعلى المستوى الدولي، كانت هناك الكثير من التطورات المهمة، ولكن أبرزها الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها، وخاصة الصين؛ حيث تبادل الطرفان فرض رسوم جمركية كبيرة، ما ألقى بظلال من الشك على مستقبل التجارة الحرة، قبل أن يعلن الجانبان التوصل إلى اتفاق المرحلة الأولى، الذي ربما يخفف وطأة الصراع التجاري مع الشركاء الآخرين، حيث ما زالت هناك صعوبات كبيرة تعترض طريق التوصل إلى حل للخلافات التجارية بين واشنطن وحلفائها الغربيين، وخاصة ألمانيا وفرنسا، وحلفائها في شرق آسيا، وخاصة اليابان وكوريا الجنوبية.
أما الحدث الآخر الذي حظي باهتمام كبير على المستوى الدولي في عام 2019 فكان الـ «بريكست»؛ حيث تواصل الجدل بشكل حاد داخل مجلس العموم البريطاني، ولم تنجح رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي في الحصول على موافقة البرلمان على اتفاقها الخروج من الاتحاد ما أدى إلى استقالتها، وخلفها بوريس جونسون الذي واجه في البداية طريقاً مسدوداً قبل أن تجري الانتخابات المبكرة التي منحته أغلبية مريحة ستساعده على تنفيذ خروج بريطانيا من الاتحاد قبل نهاية يناير 2020.
وهكذا فقد كان مشهد عام 2019 مملوءاً بالإنجازات على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة، لكنه شهد تطورات تثير تحديات غير مسبوقة بالنسبة إلى الدولة والمنطقة والعالم أيضاً؛ حيث تسود حالة من اليقين، سواء فيما يتعلق بسلوك الدول وتوجهاتها، أو طبيعة التحالفات التي تحكمها؛ بينما يترقب العالم نتيجة محاكمة ترامب الرامية إلى عزله؛ والمشهد الانتخابي للرئاسة في الدولة الأقوى والأكثر تأثيراً في مجريات الأحداث الدولية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات