الافتتاحية: وقف القتال في مناطق النزاع ضرورة مُلحّة

  • 5 أبريل 2020

تتعالى الأصوات الداعية إلى وقف القتال في مناطق النزاع في العالم كافة؛ وذلك للتفرغ لحرب العدو المشترك للجميع؛ فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19»، الذي يواصل زحفه في كل مكان، بما فيها الدول المتقدمة التي يفتك فيها برغم كل التقدم الطبي الكبير الذي وصلت إليه، والإمكانات الصحية الضخمة التي تملكها؛ فما بالك إذا تفشى الفيروس القاتل في الدول أو المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة، حيث تعاني النظم الصحية معظمُها، إن لم يكن كلها، انهياراً كاملاً أو شبه كامل؛ ومن ثم فإن تفشي فيروس كورونا في هذه المناطق سيكون كارثة بكل معنى الكلمة، حيث لا توجد مستشفيات مجهزة، ولا طواقم طبية قادرة على التعامل مع وباء من هذا النوع؛ فضلاً عن الفقر المنتشر والظروف الاجتماعية والإنسانية الكارثية أصلاً. ولهذا، فإن دعوة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس المتجددة لوقف القتال مهمة، ويجب أن تلقى آذاناً صاغية، وأن تؤخذ على مَحمل الجد، ولا يكفي الثناء عليها، بل لا بد من خطوات حقيقية تتخذها كل الأطراف المعنية، أو المنخرطة في مناطق النزاعات والحروب؛ وتعاني أوضاعاً إنسانية صعبة؛ ذلك أن تفشي المرض في أي من دول النزاع هذه سيكون كارثة ليس على الدولة نفسها فقط، وإنما على المحيط بأكمله. وفي هذا السياق، تبرز اليمن بصفتها إحدى مناطق النزاع الأكثر خطورة، التي تواجه وضعاً كارثياً بالفعل؛ وقد خصها الأمين العام للأمم المتحدة بحديثه أكثر من مرة، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار فيها، وتحدث عنها بمرارة لأن الوضع هناك مأساوي بالفعل؛ فهي، وقبل فيروس كورونا، تعاني كارثة إنسانية هي الأسوأ في العالم، بسبب انقلاب الحوثيين ورفضهم القبول بأي حلول سياسية؛ ولولا الدعم الذي تقوم به بعض الدول، وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة التي تبذل جهوداً جبارة لمساعدة الشعب اليمني، وتعمل فرقها بشكل حثيث من أجل حماية البلاد من تفشي الفيروس، فإن الأمور ستتدهور وتصعب السيطرة عليها؛ حيث تواصل أذرع الدولة الإنسانية مد يد العون لمساندة الأشقاء هناك؛ من أجل اتخاذ التدابير والإجراءات الاحترازية لمواجهة أي انتشار للفيروس؛ بينما لا يأبَه الطرف الآخر، وهو ميليشيا الحوثي الانقلابية، بما يجري، بل وهناك اتهامات لهم من مصادر مختلفة بأنهم يتكتمون على وجود إصابات بالفيروس؛ ولا يأبهون بحال الناس، وما يمكن أن يصبح عليه الوضع لو انتشر هذا الفيروس، لا سمح الله.
وما يجري في اليمن يمكن أن ينطبق على مناطق النزاع الأخرى التي لم تستجِب الأطراف فيها لدعوات وقف القتال أيضاً؛ كما هو الحال مثلاً في ليبيا التي تواجه هي الأخرى وضعاً صعباً، مع عدم التزام مختلف الأطراف بوقف إطلاق النار الذي جرى التوافق عليه قبل أسابيع؛ مع أن الفيروس بدأ ينتقل هناك، وتم تسجيل عشرات الإصابات، وحالة وفاة؛ وهناك قلق حقيقي من تفشي المرض بالنظر إلى طبيعة النزاع القائم وشراسته؛ فضلاً عن غياب سيطرة مركزية، وتعدد مراكز القوى في البلاد.
والحقيقة، لا بد من أخذ تحذير غوتيريس من أن «الأسوأ لم يأتِ بعد» في الدول التي تشهد نزاعات، على محمل الجد، لأن الطبيعة التي ينتقل فيها المرض ويتفشى لا يمكن تحديد نمطها؛ فهو يقفز بين ليلة وضحاها من العشرات إلى المئات، ومن المئات إلى الألوف؛ وتدهور الأوضاع إلى مستويات بالآلاف في دول يكاد لا يكون فيها نظم صحية؛ وإن وجِدت فهي متهالكة أو بإمكانات ضعيفة جداً، سيكون كارثياً بكل معنى الكلمة؛ لأن الجائحة يمكن أن تفتك بها وتدمر كيانها كلياً.
إذاً، هناك مخاوف حقيقية من انتشار فيروس كورونا في مناطق النزاعات، ومن ثم لا بد من إجراءات وقائية واحترازية فوراً؛ وأولها من دون شك، وقف القتال والبدء بتوحيد الجهود، وفتح المجال أمام الدول التي تعمل على مساعدة الآخرين على مكافحة الفيروس ومنع تفشيه؛ مثل دولة الإمارات التي أكدت التزامها بعون كل من يحتاج، أو يطلب المساعدة من دون تأخير.

Share