الافتتاحية: وقف إطلاق النار في اليمن فرصة للحل ومواجهة كورونا

  • 11 أبريل 2020

فرصة ثمينة لا يجوز تفويتها، يتيحها قرار قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن بإعلان وقف شامل لإطلاق النار لمدة أسبوعين، كونها تفتح الباب واسعاً أمام الدخول في محادثات جديّة في حال توافرت النية الصادقة لدى الطرف الآخر للتوصل إلى حل نهائي وشامل ينهي الحرب في هذا البلد، وتسمح بتركيز كافة الجهود والمقدرات لمنع انتشار وباء فيروس كورونا المستجد في هذا البلد الذي أعلن أمس أول إصابة به في محافظة حضرموت.
قرار قوات التحالف الذي جاء استجابة لدعوة المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، جاء من منطلق الحرص على مصلحة الشعب اليمني وعلى حياة أبنائه وسلامتهم ومستقبل أجيالهم، وبدافع إنساني بحت وهو تجنيب اليمنيين كارثة جديدة ستضاعف معاناتهم وتعمق جراحاتهم التي سببتها مغامرات الحوثيين المستمرة منذ انقلابهم على الشرعية في عام 2014 وممارساتهم على مدار ست سنوات عجاف على اليمن أذاقوا شعبه خلالها شتى ألوان العذاب وتجاوزوا فيها الحرمات والمحرمات وانتهكوا كل قواعد الإنسانية عبر ما ارتكبوه من جرائم قتل وتعذيب واعتقالات ونهب وسلب وحصار وتجويع ومنع للدواء وأبسط مستلزمات الحياة، راح ضحيتها الآلاف من أبناء هذا الشعب الصابر.
إذاً هو حسّ عال بالمسؤولية الأخوية والأخلاقية تجاه اليمن وأهله تبديه قوات التحالف عبر قرارها الحكيم والشجاع، ذلك أن استمرار الحرب والعمليات العسكرية سيفتح الباب على مصراعيه أمام تحوله إلى بلد موبوء بامتياز في حال توسع انتشار الفيروس فيه، وذلك نظراً لتردي واقع القطاع الصحي وافتقاره في الظرف الراهن إلى الحد الأدنى من الإمكانات والتجهيزات اللازمة التي تمكّنه من مواجهة الفيروس، وتهالك معظم مقومات البنية التحتية في القطاعات الخدمية، يضاف إلى ذلك ما يعانيه الكثيرون من أبناء الشعب من فاقة وفقر مدقع وغياب لأبسط الخدمات الأساسية.
كورونا غيّر مجرى الحياة حول العالم كله، وأجبر أعتى القوى وأعظم الدول وأكثرها تقدماً ورفاهية وجودة في الخدمات على الوقوف على رؤوس أصابعها استعداداً لمواجهته، بل ودفعها إلى تعديل خططها وتغيير مسارات اهتماماتها وتحويل الكثير من المقدرات والموازنات والأرصدة لتخدم كلها جهود محاربة هذا العدو الخفي الذي يضرب بقسوة ويجتاح بسرعة ولا يفرق بين كبير وصغير وغني وفقير، الأمر الذي يوجب على كل ذي بصيرة يعنيه شأن بلاده وتهمه سلامة شعبه أن يضع مكافحته في مقدمة أولوياته، وأن يتجاوز طموحاته ويتناسى أحقاده وينكر ذاته ويطوّع كل إمكاناته ويوجهها نحو حماية الحياة وإنقاذ الأرواح، لأن الجائحة في حال إهمالها وإطلاق العنان لها لن تبقي ولن تذر، ولن يسلم منها، لا قدّر الله، لا مؤيد ولا معارض ولا صغير ولا كبير.
أمام هذا التحدي غير المسبوق الذي يتجاوز تحديات إثبات القوة وحسابات النصر والهزيمة، بات لزاماً على كل الأطراف المعنية في اليمن أن تستنفر وتستعد وأن تحشد كل قواها، لكن هذه المرة ليس للحرب وخوض المعارك وإشعال الجبهات، بل للدفاع عن اليمن واليمنيين وصدّ أي محاولة تسلل أخرى أو هجوم للفيروس، والانطلاق نحو مرحلة جديدة يكون عنوانها الحياة والبناء والإعمار وليس القتل والدمار، خصوصاً أن القرار الأخير يهيئ الظروف الملائمة للمباشرة في اجتماعات ومباحثات جادة ورصينة بين الحكومة الشرعية وقادة التمرد للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار واستئناف العملية السياسية التي تشارك فيها كل الأطراف اليمنية بعيداً عن أجندات الخارج والمصالح العابرة للحدود.
وقف إطلاق النار يؤكد حرص دول التحالف والشرعية على تحقيق الاستقرار في اليمن، وعلى حماية حياة أبناء شعبه وسلامتهم وتجنيبهم شرور الأمراض والأوبئة، وهو ما تجلى في تقديم المملكة العربية السعودية مبلغ 500 مليون دولار لخطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لليمن في عام 2020، و25 مليون دولار إضافية لمكافحة انتشار جائحة كورونا، ما يتطلب من الحوثيين إظهار حرص مماثل عبر التخلص من عبء النفوذ الإيراني والمسارعة إلى الاستجابة دون شروط لهذه المبادرة لأن اليمن لا يملك ترف الوقت للمزيد من المغامرة والمراوغة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات