الافتتاحية: هل يعيد «كورونا» للعالم إنسانيته؟

  • 22 مارس 2020

شهد العالم خلال السنوات الماضية، وتحديداً منذ نهاية الحرب الباردة، الكثير من الحروب والصراعات، التي توقع المبشرون بنظام عالمي جديد أن تختفي إلى الأبد مع غياب شمس عصر القطبية الثنائية، الذي عاش العالم خلاله حالة خوف وهلع مستمرة من إمكانية مواجهة نووية بين القطبين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق) تقضي على الأخضر واليابس.
هذه الحروب والصراعات التي قضّت مضاجع العالم، أشاعت حالة من الإحباط، وأكدت أن التأسيس لنظام عالمي جديد على أنقاض عصر القطبية الثنائية، سمته التعاون والتعايش والاعتماد المتبادل بين مختلف الدول والشعوب، ما زال حلماً بعيد المنال، على الرغم من طغيان ظاهرة العولمة التي جعلت من العالم بالفعل قرية واحدة، مصيرها واحد، وتحدياتها مشتركة، بعد أن أزالت الحدود السياسية وقضت على السيادة الوطنية بمفاهيمها التقليدية.
لقد أكدت التحديات المشتركة العابرة للحدود التي واجهها العالم في عصر ما بعد الحرب الباردة، ضرورة التعاون المشترك، ولكن ردود فعل الكثير من الدول، ومنها قوى كبرى لم تكن على مستوى الحدث، ففشل العالم، أو لم ينجح في التعامل على النحو المطلوب مع عدد من هذه التحديات، وأبرزها تلك الخاصة بقضية التغير المناخي، التي تنطوي على الكثير من المخاطر المعقدة، التي لن يكون بالإمكان مواجهتها إلا من خلال تعاون دولي وثيق وفعال.
وقد شهد العالم في ظل ما يسمى النظام العالمي الجديد، تصاعد ظاهرة جديدة خطيرة هي ظاهرة الشعبوية، التي جسدتها تيارات اليمين المتطرف في أكثر من دولة في أرجاء العالم، ويتمثل أبرز تجليات هذه الظاهرة في محاولة الانكفاء على الذات، ومعارضة الاندماج على الصعيد الدولي، بكل ما يدفع إليه هذا الاتجاه من رفض للتعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة، وما قد يؤدي إليه من تغليب لقيم الصراع والتنافر على حساب قيم التعاون والتعايش.
استمرار الحروب والصراعات على الصعيد الدولي، خلف حالة من الإحباط في أن يتم تأسيس نظام عالمي جديد حقاً، وليس على مستوى الاسم فقط؛ نظام يسوده التعاون بين الدول لمواجهة التحديات المشتركة، كما سلف القول، ولكن ربما (كل ضارة نافعة) كما يقولون، لقد جاء وباء كورونا المستجد (كوفيد- 19) ليضع العالم أمام تحدٍّ وجودي خطير، وليؤكد حقيقة المصير المشترك للبشرية. والحق أن العالم قد ارتقى كثيراً هذه المرة، ولو مضطراً، إلى مستوى التحدي ليضع نفسه في حالة استنفار غير مسبوقة لمواجهة مخاطر هذا الوباء والقضاء عليه، الأمر الذي نتمنى أن يؤشر إلى نهج إنساني جديد في التعامل مع التحديات المشتركة.
يقول البعض إن حالة الهلع من تفشي وباء كورونا المستجد (كوفيد- 19) أعادت للعالم إنسانيته، بعد أن تيقن الجميع أن البشرية مصيرها واحد، والمأمول بالفعل أن يخرج العالم من هذه الكارثة الإنسانية بقدر أعلى من التضامن الجماعي، وأن يستعيد القيم الإنسانية لتكون هي المعيار الأساسي في التفاعلات الدولية بمختلف صورها وأشكالها.
إن وباء كورونا المستجد الذي يجب أن يدفع العالم لإعادة التمسك بإنسانيته، ينبغي أن يدفعه في سياق متواز إلى ضرورة إعادة ترتيب أولوياته بعد أن تنزاح هذه الغمة، التي كدرت صفو العالم وأسكنته الحزن والكآبة. فخلال سنوات ما بعد الحرب الباردة، أنفق العالم مئات المليارات على صناعة الأسلحة وشرائها، وهذه الأموال الطائلة، لو كانت قد وجهت لتأسيس بنى ومنشآت صحية متطورة، لكان العالم الآن أكثر قدرة على التعامل مع هذا الوباء.
إن حالة الهلع والخطر التي يواجهها العالم جراء تفشي وباء كورونا المستجد لا بد أن تؤدي إلى «أنسنة» العلاقات الدولية، وتغليب قيم التعاون والاعتماد المتبادل، فالتعاون هو طريقنا الوحيد لمواجهة التحديات الوجودية التي تهدد البشرية كلها، فهل سنتمكن من تحقيق هذا الهدف؟

Share