الافتتاحية: هل تستجيب إيران لدعوات التهدئة؟

  • 4 يناير 2020

لا شك في أن مقتل اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، صباح أمس الجمعة، في غارة جوية أمريكية على مطار بغداد بناء على أوامر مباشرة من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يمثل ضربة قاصمة لإيران، وقد أظهرت تصريحات القادة الإيرانيين بكل مستوياتهم حالة الذهول التي سيطرت عليهم بسبب هذه الأمر الذي يعد ربما أكبر ضربة تتعرض لها إيران منذ سنوات أو حتى عقود؛ بل لقد وصِفت من قبل المراقبين والمحللين بأنها أهم عملية اغتيال في القرن الحادي والعشرين؛ وذلك بالطبع بالنظر إلى مكانته ونفوذه العسكري والسياسي، حيث يعد أقوى شخصية عسكرية في إيران، والعقل الاستراتيجي وراء طموحاتها في الشرق الأوسط؛ بل وذهب بعضهم إلى وصفه بأنه وزير الخارجية الحقيقي في ما يتعلق بشؤون الحرب والسلام؛ فقد مثل مركز نفوذ سياسي في إيران، بل إن بعضهم يعتبره الرجل الثاني بعد المرشد الأعلى للثورة الإيرانية نفسه. ولهذا كانت ردود الأفعال الإيرانية غاضبة جداً؛ وقد توعد المسؤولون الإيرانيون – وعلى رأسهم المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي – «بانتقام قاسٍ» وردّ قوي وسريع على مقتل سليماني.
بالمقابل، لقيت العملية تفهماً كبيراً إقليمياً ودولياً؛ ولم تتلقَ إدانات إلا من عدد ضئيل جداً من الدول والجماعات التي تتبع أو توالي إيران؛ بينما أعربت الكثير من دول العالم – حتى تلك التي تعارض سياسة العقوبات القصوى ضد إيران- عن تفهمها لما قامت به الولايات المتحدة؛ وذلك بالنظر إلى الدور الذي كان يقوم به سليماني في المنطقة، حيث كان رأس الحربة في مخططات إيران الإقليمية، وأدار عمليات سرية شملت شبكة من الميليشيا العاملة بالوكالة في أنحاء المنطقة، وهو كما يراه الكثيرون في المنطقة وخارجها مسؤول عن أحداث دموية، حيث كان يُتهم بالتخطيط والمشاركة في قمع الاحتجاجات التي اجتاحت عدداً من دول المنطقة، وبالتحديد تلك التي تدور في فلك إيران أو تخضع لنفوذها، كما هو الحال في سوريا والعراق ولبنان؛ بينما حمّلته الولايات المتحدة المسؤولية عن عمليات عدة استهدفت الأمريكيين، وكان آخرها مقتل المتعاقد الأمريكي في هجوم شنته ميليشيات الحشد الشعبي على قاعدة أمريكية، وما تبعه من هجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، بالإضافة إلى تأكيد الأمريكيين – وعلى رأسهم ترامب نفسه – أن سليماني كان يخطط لاستهداف دبلوماسيين أمريكيين؛ هذا فضلاً عن دوره المزعزع للاستقرار في المنطقة؛ بصفته قائداً لفيلق القدس. وهذه كلها أسباب أثارت واشنطن واعتبرتها مبررات لاغتيال سليماني الذي صنفته أصلاً، ومعها الاتحاد الأوروبي، إرهابياً.
ومع كل هذه التطورات وردود الأفعال المختلفة، على هذا الحدث الكبير الذي لا شك أنه سيكون له انعكاسات على الأوضاع داخل إيران وخارجها وكذلك في الدول التي كان سليماني يجوبها ليل نهار، فإن هناك شبه إجماع إقليمي ودولي على ضرورة التهدئة؛ وتخفيف حدة التوتر؛ خوفاً من انزلاق الأمور إلى ما لا تُحمد عقباها؛ فأي تصرف أو ردة فعل من قبل إيران غير محسوبة ستكون عواقبها أكبر بكثير من قضية مقتل سليماني؛ وقد كان الأمريكيون واضحين جداً بأنهم لن يترددوا بالرد بقوة على أي رد فعل من إيران؛ ولهذا فإن الوضع خطير، وإذا لم يتم التعامل معه بحكمة، وخاصة من جانب طهران، فإن الأوضاع في المنطقة قد تخرج عن السيطرة، وقد تتطور إلى حرب إقليمية ستكون نتائجها دون أدنى شك مدمرة على الجميع دون استثناء؛ ولهذا فإن الكل مطالَب بالتهدئة، وهذا ما عبرت عنه معظم – إن لم يكن كل – البيانات والتصريحات الرسمية التي صدرت من دول المنطقة وخارجها؛ فقد دعا الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية إلى تغليب الحكمة، والعمل لإنجاز حلول سياسية في التعامل مع التطورات التي تشهدها المنطقة على المواجهة والتصعيد، وخاصة أن الأزمات معقدة وتفتقد إلى الثقة بين أطرافها، مؤكداً أن «التعامل العقلاني يتطلب مقاربة هادئة وخالية من الانفعال». كما أن الولايات المتحدة نفسها أكدت أيضاً التزامها بـ «خفض التصعيد»؛ فهل تستجيب إيران لهذه الدعوات وتتقبل الأمر الواقع وتتعظ مما حدث وتغير من سياستها التي لم تجلب إلا الخراب لها ولغيرها؟ أم تسير في الطريق نفسه وتُبقي المنطقة على فوهة بارود؟!

Share