الافتتاحية: نحو عالم خال من الكراهية

  • 2 سبتمبر 2020

تعد الكراهية ظاهرة مدمرة للمجتمعات البشرية، وهي عقبة كبيرة أمام تدشين التعاون الدولي المطلوب بين مختلف الأمم والشعوب. ومن المؤسف أن هذه الظاهرة تصاعدت خلال الفترة الحالية، ويعد خطاب الكراهية أزمة كبرى تواجه المجتمعات المعاصرة، وهذا الخطاب يناقض بالضرورة الطبيعة الإنسانية السوية التي تميل للتعايش المشترك وقبول الآخر، ولا شك أن لخطاب الكراهية الكثير من التأثيرات السلبية، حيث إنه يلحق الأذى الكبير بالمجموعات المستهدفة ويعمل على تجريدها من الإنسانيّة وترهيبها وتهميشها والحطّ من كرامتها وإذلالها وإثارة العداء ضدّها، ما ينجم عنه صراعات مستمرة قد تتطور إلى مشكلات وحروب تودي بحياة البشر.

لقد عرفت الحضارات القديمة الكثير من صور التسامح والتواصل الإنساني، وهو ما أوجد فكرة التعايش المشترك بينها على الرغم من كل الاختلافات التي ميزت كل حضارة، والحاصل أن الاختلاف بين الثقافات لم يكن مدعاة لحدوث خلافات بين الدول والشعوب، وإنما الذي أدى إلى ذلك الأفكار المتطرفة التي تنشأ وتتكاثر في العقول المتأزمة، بفعل عوامل عدة، تبدأ من الأسرة، أو المدرسة، أو المجتمعات المنغلقة، أو بسبب تلقي الخطابات الدينية المتشددة، والتغذية السلبية من وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت الآن المنبر الأول لنشر خطابات الكراهية. ومن المؤسف أننا في ظل الانفتاح الكبير الذي يتميز به عصر العولمة، نرى انتشار هذا النوع من الخطاب العدواني والترويج له من قبل بعض الجماعات، عوضاً عن نشر قيم التسامح والتعايش المشترك.

وقد تنبهت دولة الإمارات العربية المتحدة لهذا الخطر المتمثل في خطابات الكراهية، بشكل مبكر، مستنيرةً ببذرة الخير والمحبة التي زرعها المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي دعا إلى قبول الآخرين والتعايش معهم من دون النظر إلى ألوانهم أو أديانهم أو معتقداتهم بأسلوبه الأبوي الرحيم وحكمته وكلماته الطيبة، مؤصلاً بذلك إرثاً غنياً من المحبة والتسامح والتعايش المشترك، ورسالة إلى حكام العالم مفادها أن أفضل ما يمكن أن تحققه القيادة الحقيقية للدول، ليس المكاسب السياسية والاقتصادية فقط، بل تثبيت قيم المحبة والتعايش والسلام بين الناس. وبفضل الرؤية الحكيمة التي تنتهجها القيادة الرشيدة، أصبحت دولة الإمارات ملتقى للإنسانية جمعاء، وهي تقوم ببذل جهود متواصلة لمكافحة الكراهية بشكل صارم، فعلى الصعيد الداخلي جرمت الدولة الكراهية والتعصب وأسباب الفرقة والاختلاف، وكفلت قوانينها للجميع العدل والاحترام والمساواة، وهي التي تضم على أرضها أكثر من 200 جنسية تنعم بالحياة الكريمة والتقارب، وعلى الصعيد الخارجي تعتبر دولة الإمارات شريكاً أساسياً في اتفاقيات ومعاهدات دولية عدة ترتبط بنبذ العنف والتطرف والتمييز ودعم قيم الانفتاح والتعاون المشترك. وتستلهم دولة الإمارات هذه القيم من وسطية الدين الإسلامي الحنيف، وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها دولة الإمارات لتعميم ثقافة التسامح، فإنها لا تزال تعمل بكل جد ومن دون كلل أو ملل على ترسيخ قيم التعايش المشترك والانفتاح على الآخر، ووضع الأطر التي تدعم استمراريتها كرمز للقيم الإنسانية في ظل قيادة حكيمة تؤمن بالأولوية الحاسمة لدعم القيم الإنسانية وترسيخاً، ليس على الصعيد الداخلي فقط بل وعلى الصعيد الخارجي أيضاً.

ولا شك أن المواجهة الحاسمة المطلوبة لخطابات الكراهية، تتطلب بالضرورة نشر ثقافة الحوار وغرس مبادئها الأساسية، فهي الحل الأمثل للوصول الى عالم آمن مستقر خال من الصراعات والأحقاد، كما أنه يجب أن يتم تفعيل الجهود الدولية المشتركة من خلال المؤسسات المعنية، للتصدي لهذه الخطابات الكريهة، ودعم متخذي القرار وصانعي السياسات في الدول المختلفة لاتخاذ إجراءات حاسمة ضد كل صور الكراهية والتطرف من خلال وضع العقوبات الرادعة للقضاء على هذه الظاهرة المقيتة، كما أن هناك ضرورة خاصة للاستفادة من تجربة دولة الإمارات في ترسيخ مبدأ التسامح والتعايش والانفتاح على الآخر.

Share