الافتتاحية: موقف عربي موحد للتصدي للتدخل التركي في ليبيا

  • 7 يناير 2020

على الرغم من الرفض العارم من قبل الشعب الليبي والدول العربية للاتفاق الذي وقعه فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني في ليبيا مع النظام التركي، يصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على المضي قدماً في تنفيذ خططه الخاصة بالتدخل في هذا البلد، فعقب موافقة البرلمان التركي، الأسبوع الماضي، على إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، أعلن أردوغان، أول أمس الأحد، بدء نشر جنود أتراك هناك، استناداً إلى الضوء الأخضر الذي منحه له البرلمان. وقال أردوغان في مقابلة مع قناة «سي إن إن ترك»، إن «مهمة جنودنا هناك هي التنسيق (…) جنودنا ينتشرون بشكل تدريجي». وأكد أن بلاده سترسل أيضاً كبار قادة الجيش، ما يعد إيذاناً بالتدخل العسكري التركي المباشر في ليبيا، وهو أمر جد خطير.
وتؤكد التصريحات التي أدلى بها أردوغان مدى غرور الرجل الذي يظن أن قواته ذاهبة إلى ليبيا في نزهة، كما تؤكد عدم اكتراثه بالموقف العربي المندد بهذا التدخل في شؤون ليبيا الداخلية، حيث نقلت وكالة «الأناضول» التركية الرسمية للأنباء عن أردوغان قوله: «نحن غير منزعجين من إدانة السعودية لقرار إرسالنا قوات إلى ليبيا ولا نقيم وزناً لإدانتها»، في إشارة إلى انتقادات الرياض قرار البرلمان التركي. وهذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها أردوغان دولة عربية لها دورها المحوري في النظام الإقليمي العربي، فقبل أيام هاجم أردوغان مصر، كما هاجم دولة الإمارات، بل وهاجم أيضاً فرنسا وإيطاليا، حيث يريد أن ينفرد بليبيا لتنفيذ مخططاته الخاصة.
وفي الواقع، فإن إصرار أردوغان على المضي في تدخله الفج في ليبيا إنما يعكس لكل ذي عينين الأطماع التركية الواضحة فيها وفي المنطقة بشكل عام، ويكشف زيف ما قاله أردوغان من أن قواته ذاهبة إلى هناك ليس لـ «القتال» بل «لدعم الحكومة الشرعية وتجنّب مأساة إنسانية». ولعله من اللافت للنظر أن يعلن أردوغان أن تركيا وليبيا قد تعملان مع شركات دولية للتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، في الوقت نفسه الذي أعلن بدء إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا، ما يؤكد أن الهدف هو تحقيق مطامح خاصة، وليس الدفاع عن حكومة السراج، كما يزعم.
إن أردوغان بتدخله في ليبيا إنما يسعى لتحقيق طموحات شخصية ومصالح اقتصادية، على الرغم مما سيؤدي إليه هذا التدخل من إحداث المزيد من الفوضى والاضطراب ودعم عوامل الفوضى، في ضوء الرفض الشعبي العارم في الداخل الليبي لهذا التدخل.
ومما لا شك فيه أن هذا الانتهاك السافر الذي ينطوي عليه التدخل التركي في ليبيا وما سوف يجلبه من تداعيات سلبية شديدة على أمنها واستقرارها وأمن المنطقة العربية بأسرها، إنما يستدعي موقفاً عربياً موحداً يقف بوجه مخططات أردوغان، الذي يظن أن العالم العربي في ظل ما يعانيه حالياً من عوامل ضعف بات هدفاً سهلاً.
لقد عبرت أكثر من دولة عربية بشكل منفرد، كما عبرت الجامعة العربية عن رفضها واستنكارها الشديدين لهذا التدخل، ولكن المطلوب اتخاذ المزيد من الخطوات لمواجهته، بعد أن أعلن أردوغان بدء إرسال قوات تركية إلى ليبيا بالفعل، وفي مقدمة هذه الخطوات دعم الشعب الليبي لصد هذا التدخل، الذي لا يمكن أن يطلق عليه سوى محاولة احتلال، ودعم البرلمان الليبي الذي اتخذ حزمة قرارات مهمة وحيوية في اجتماعه الأخير للتصدي له، فضلاً عن ضرورة بذل الجهود المطلوبة لنزع الشرعية عن حكومة فائز السراج، التي أثبتت باستدعائها القوات التركية أنها حكومة فاقدة للشرعية، ولا تمثل الشعب الليبي، الذي يرفض بطبيعة الحال أن تُحتَل بلاده من قبل تركيا.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات