الافتتاحية: موقف عربي موحد ضد العبث التركي

  • 11 يونيو 2020

لم تكن العلاقات العربية- التركية خلال النصف قرن الأخير، بهذا السوء والتردي الذي تشهده خلال المرحلة الحالية، بسبب سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العدائية تجاه الأمة العربية وتدخله الفج في الشؤون الداخلية لأكثر من دولة عربية، وهذا شيء مؤسف حقاً.
لقد رحب العرب شعوباً وحكومات بصعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، وشهدت العلاقات العربية-التركية مرحلة ازدهار وانتعاش غير مسبوقة استمرت نحو عشر سنوات عقب هذا الصعود، ولكن مواقف أردوغان وسياساته الحمقاء أحدثت هذا التدهور الكبير الحاصل في العلاقات بين الطرفين.
انتهز أردوغان فرصة ما يسمى الربيع العربي للتدخل أولاً في سوريا، لتحقيق أطماع تركيا التاريخية في الأراضي السورية، فعمل على دعم ميليشيات مسلحة في مواجهة الحكومة الشرعية القائمة في البلاد، ثم ما لبث أن تدخل بشكل عسكري مباشر تحت مزاعم إقامة منطقة أمنية في الشمال السوري، يعود إليها اللاجئون السوريون الذين فروا إلى تركيا. وفي السياق نفسه، فقد وفر الصراع الأهلي المستعر في ليبيا منذ إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي، فرصة للتدخل التركي بحجة دعم حكومة الوفاق الوطني بزعامة فايز السراج، وهي حجة تخفي وراءها أطماع أردوغان في ثروة ليبيا وسعيه لتكريس نفوذ تركيا في منطقة شرق البحر المتوسط الغنية بالنفط والغاز. ولم يقتصر التدخل التركي على حالتي سوريا وليبيا، بل تعدى ذلك إلى دول أخرى، منها مصر، حيث رفضت أنقرة الاعتراف بثورة الشعب المصري في 30 يونيو 2013 التي أطاحت جماعة الإخوان المسلمين من السلطة، واعتبرتها انقلاباً، وناصبت النظام الحاكم الجديد في مصر العداء الصريح، وقدمت كل أوجه الدعم للقوى المعارضة له، حيث أصبحت تركيا مركزاً لرموز المعارضة المصرية ضد حكم الرئيس عبدالفتاح السيسي.
ومما لا شك فيه أن هذا التدخل التركي السافر في الشؤون الداخلية لأكثر من دولة عربية، إنما يستدعي موقفاً عربياً موحداً يقف بوجه أطماع ومخططات أردوغان، الذي يظن أن العالم العربي في ظل ما يعانيه حالياً من ضعف بات هدفاً سهلاً، وهذا ما أكدته دولة الإمارات العربية المتحدة في أكثر من مناسبة، وفي هذا الصدد، دعت الشعبة البرلمانية للمجلس الوطني الاتحادي، إلى ضرورة إعداد استراتيجية عربية موحدة للتعامل مع دول الجوار الجغرافي، وقد جاء ذلك خلال مشاركة الشعبة «عن بُعد» في اجتماع اللجنة الفرعية المعنية بإعداد استراتيجية عربية موحدة للتعامل مع هذه الدول في البرلمان العربي، الذي عقد يوم الثلاثاء الماضي، وتم بثه من القاهرة، ضمن اجتماعات البرلمان العربي ولجانه من دور الانعقاد الرابع للفصل التشريعي الثاني، التي تعقد خلال الفترة من 7 إلى 17 يونيو الجاري، حيث أكدت الشعبة الإماراتية خلال مداخلتها التي ألقتها شذى سعيد علاي النقبي، عضوة اللجنة المذكورة أهمية إعداد استراتيجية عربية موحدة تجاه تركيا بعد تهديدها للأمن السوري وما قامت به من دعم ميليشيات وجماعات إرهابية، وتماديها في تطرف مواقفها بتهديد الاستقرار والأمن في ليبيا من خلال إرسال ميليشيات مسلحة، وأسلحة إلى أحد أطراف النزاع، ما أدى إلى تفجّر الأوضاع والابتعاد كثيراً عن الحلول السياسية للمشكلة، وقالت النقبي إن ما تقوم به تركيا، سواء في سوريا أو ليبيا وغيرهما من بلداننا العربية يعد تهديداً للأمن القومي العربي وانتهاكاً فاضحاً لكل المواثيق والأعراف الدولية.
إن التدخل التركي الفج في الشؤون الداخلية لكثير من الدول العربية، هو تهديد خطير للأمن القومي العربي بشكل عام، ولأمن هذه الدول واستقرارها بشكل خاص، وهو ما يستدعي موقفاً عربياً موحداً رادعاً للنظام التركي، الذي يقوده شخص بات يعاني بشكل واضح جنون العظمة، ويتصور أن العالم العربي ما زال خاضعاً لسيطرة تركيا.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات