الافتتاحية: مكافحة العنصرية قضية أممية

  • 15 يونيو 2020

ما زالت قضية مقتل المواطن الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد خنقاً وبأسلوب بشع، على يد شرطي أبيض في 25 مايو 2020 بمدينة مينيابوليس الأمريكية، تتفاعل داخل الولايات المتحدة وخارجها؛ فبالإضافة إلى الاحتجاجات الواسعة التي عمّت المدن الأمريكية وامتدت إلى مدن وعواصم عالمية، فقد دفعت هذه الحادثة مشكلة العنصرية إلى الواجهة مجدداً، ليس فقط على مستوى أمريكا التي تعد فيها العنصرية ضد السود مشكلة تاريخية، ولكن أيضاً على مستوى العالم، خاصة في بعض الدول الأوروبية التي تتهم فيها الشرطة أيضاً بممارسات عنصرية.

والحقيقة أن مسألة العنصرية ليست مقتصرة على ممارسات الأجهزة الأمنية أو تصرفات فردية، وإنما هي ثقافة موجودة لدى الكثير من الفئات في الغرب، وخاصة اليمينية منها التي ما زالت تؤمن بتفوق العرق الأبيض، والأبيض الغربي تحديداً؛ كما هي موجودة أيضاً في دول ومجتمعات أخرى غير غربية، بما فيها العربية والإسلامية. ولكن اللافت للنظر أن الأفارقة هم أكثر الناس الذين يتعرضون للعنصرية، سواء داخل أمريكا أو في أوروبا؛ لذا خرجت مظاهرات في بعض المدن الأوروبية، خاصة بريطانيا وفرنسا، تطالب بإجراءات ضد العنصرية. وهذا على ما يبدو هو ما دفع الدول الإفريقية إلى دعوة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى تنظيم نقاش حول العنصرية وعنف الشرطة، في سياق الحراك العالمي ضد العنصرية بعد مقتل جورج فلويد. وقد طالبت الدول الإفريقية في رسالة وقّعتها 54 دولة بتنظيم «نقاش عاجل حول الانتهاكات الحالية لحقوق الإنسان المستندة إلى دوافع عرقية، والعنصرية الممنهجة والعنف الأمني ضد الأشخاص من أصل إفريقي، والعنف ضد التظاهرات السلمية».

وبالفعل، فقد آن الأوان لمناقشة جادة لهذه القضية التي يُفترض أن يكون العالم قد تجاوزها منذ عقود، خاصة مع التطور الهائل الذي شهدته البشرية على كل المستويات؛ ولكن للأسف كلما ظن الناس أن ظواهر مثل العنصرية أو العبودية اختفت أو تلاشت، يكتشف أنها ما زالت موجودة، بل وربما تمارَس بشكل ممنهج في بعض الأحيان إلى درجة جعلت الناس يستذكرون عصر الرومان وغيرهم من الأمم التي كانت تستعبد الناس، وتنظر بـ «دونية» إلى كل من هو غير أوروبي أو غربي.

نعم، لقد آن الآن أن تنقَل قضية العنصرية إلى مجلس حقوق الإنسان الذي يفترض أن هذا من أولى أولوياته، إذ لا يمكن ضمان نشر وتعزيز حقوق الإنسان واحترامها وحمايتها ما دام هناك عنصرية تمارَس بشكل واسع أو ممنهج. بل كان يجب على المجلس أن يناقش هذا الأمر من قبل، وبشكل أعمق؛ حيث سبق ووقَعت أحداث عنصرية كثيرة داخل الولايات المتحدة وخارجها بدوافع مختلفة. صحيح أن غالبيتها عنصرية على أساس اللون، وهي موجهة ضد السود وبشكل أكثر تحديداً الأفارقة؛ لكن هناك عنصرية على أساس العرق والدين أيضاً؛ مورست بشكل بشع، بل وتسببت بآلام لكثير من الناس حول العالم. فالعنصرية موجودة في معظم إن لم يكن كل المجتمعات البشرية؛ وهناك جهود بذلت وما زالت تبذل من قبل الكثير من الدول والجهات الدولية من أجل مواجهتها، حيث سنت قوانين صارمة؛ ومع ذلك ما زالت العنصرية موجودة حتى في الدول المتقدمة، التي يفترض أن يكون أحد أسباب تقدمها هو المساواة بين البشر.

لهذا كله فإن مجلس حقوق الإنسان مُطالب أكثر من أي وقت مضى بإجراء نقاش واسع وشامل لهذه الظاهرة والوقوف على أسبابها الحقيقية، من خلال ليس فقط إصدار تقارير أو إحصائيات، وإنما إجراء دراسات معمقة لجذورها في كل مجتمع توجد فيه، ومن ثم التعامل معها بشكل حازم، من خلال تشريعات دولية تجرّم العنصرية أياً كان مصدرها، وأياً كان أساسها، سواء كان اللون أو الدين أو العرق أو الجنسية؛ وإلزام الدول جميعاً بالموافقة عليها؛ وفرض عقوبات على كل من يخالفها، أو يفشل في تطبيقها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات