الافتتاحية: «معاهدة السلام».. تعزيز للتقارب والتعايش الديني

  • 19 سبتمبر 2020

يتمثل أحد أهداف معاهدة السلام الإماراتية- الإسرائيلية في صياغة بيئة مناسبة للتعايش بين الأديان المختلفة، ويختصر اسم «الاتفاق الإبراهيمي» رسالة رمزية مكثفة، تحمل البساطة والعمق معاً، إذ تحيل مباشرة إلى مفهوم الأصل الواحد للأديان السماوية المختلفة، وتُذكِّر أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث بالوشائج التي تربطهم في الجذور، وفي التصورات، وفي الأسس التي تقوم عليها اعتقاداتهم.

وتتسق هذه الفكرة مع البيئة السياسية والاجتماعية في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث كان التسامح الديني والمذهبي ممارسة طبيعية حتى قبل الفترة التي سبقت قيام الدولة. ويعود إنشاء دور العبادة للأديان السماوية إلى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، الأمر الذي كان يلقى قبولاً مجتمعياً نابعاً من يقين بأن الاختلاف سُنّة، وأن لكل إنسان الحق في ممارسة عباداته بشرط عدم المساس بمعتقدات الآخرين. وجاء قيام الدولة على يد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، ليجعل من التسامح والتعايش واحترام كل الأديان إحدى الركائز الوطيدة الأركان في الدولة، وجزءاً من شخصيتها وهويتها.

وأثبتت قيم التسامح والتعايش في دولة الإمارات قوتها ورسوخها من خلال صمودها أمام نزعات التطرف التي اجتاحت العالمين العربي والإسلامي مع اشتداد عود جماعات الإسلام السياسي، واستخدامها الدين في تحقيق مطامعها السياسية. وفي الوقت الذي انتشرت فيه أفكار الكراهية والتعصب إزاء الأديان الأخرى في أوساط مجتمعات عربية وإسلامية عُرفت تاريخياً بوسطيتها واعتدالها، بقيت دولة الإمارات مُحصّنة ضد هذه من الأفكار الظلامية، بفضل رؤية القيادة الرشيدة للدولة، وحزمها إزاء كل محاولات التسلّل التي مارستها جماعات الإسلام السياسي، بحيث أصبحت الدولة واحة للتسامح الديني، ونموذجاً عالمياً في التعايش بين كل الديانات والمذاهب والعقائد، في إطار من الاحترام والتقدير المتبادلَين.

وإدراكاً منها لمسؤوليتها التاريخية، ومع تفاقم الأخطار التي ترتبط بالتعصب الديني والإرهاب إلى الحد الذي أصبح معه يهدد السلام في العالم، لم تكتفِ دولة الإمارات بتجربتها الداخلية في إرساء التسامح الديني والتقريب بين أتباع الديانات المختلفة، بل كرَّست جهودها ومكانتها ومواردها لنشر أفكار التعايش والتقريب بين الأديان في العالم بأسره، من خلال إنشاء منظمات مخصّصة لدعم هذه الأفكار، وتفكيك أفكار التطرف وجماعاته والتصدي لها بحزم، وبناء الروابط والصلات بين دعاة السلام والتسامح في المنطقة والعالم، وقيادة جهود دبلوماسية حول العالم، ومن خلال المحافل الدولية لنشر ثقافة الاحترام المتبادل بين الأديان، والكشف عن الوجه الحقيقي للإسلام بوصفه ديناً للرحمة والتعارف بين البشر.

ومعاهدة السلام الإماراتية-الإسرائيلية، وفقاً لما تراه دولة الإمارات، هي واحدة من الخطوات التي تدعم مساعيها نحو تقليص مساحات التعصب، وفتح ثغرة في جدار الكراهية الدينية الذي تكسرت عليه محاولات إقرار السلام وتمهيد الطريق أمام مستقبل أكثر إشراقاً لشعوب المنطقة، وخاصة الشعب الفلسطيني الذي يمتلك الآن فرصة الحصول على دولته المستقلة. وهذا هو المعنى الذي تدركه كثير من القوى الدولية الآن، كما ظهر في تصريحات للبيت الأبيض، مؤخراً، جاء فيها: «بفضل الشجاعة العظيمة لقادة البلدان الثلاثة، الإمارات والبحرين وإسرائيل، نتخذ خطوة كبيرة نحو مستقبل يعيش فيه الأشخاص من جميع الأديان والخلفيات معاً في سلام ورخاء».

إن تعزيز التعايش بين الأديان المختلفة، وتنمية الاحترام المتبادل بين أتباعها يضمَن بناء السلام المرجو على أسس أكثر قوة ومتانة، لأن إبرام المعاهدات وتوقيع الاتفاقيات من دون معالجة الكراهية الدينية يجعل السلام معرضاً للانتكاس. كما أن المنتظر من اتفاقات السلام بين الدول الواقعة في المنطقة نفسها، وبين الجيران بشكل خاص، أن تكون ممرّاً إلى التعاون وتبادل المصالح السياسية والاقتصادية ليكون السلام أكثر قوة واستدامة، والكراهية على أساس ديني تَحول دون مثل هذا التعاون، أو تقلّص فرصه على أقل تقدير. ولذا، فإن دولة الإمارات تعمل على تحصين السلام بتعزيز قيم التعايش والتقارب والاحترام المتبادل بين أتباع الديانات والعقائد المختلفة، ومدّ جسور التواصل والحوار.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات