الافتتاحية: معاهدة السلام تحاصر خطاب الكراهية والتطرف

الكراهية هي الباب الأول الذي يدخل منه الإنسان نحو أشكال أخرى من الشرور مثل التشدد ثم التطرف، وصولاً إلى الإرهاب. والكراهية ذاتها تنشأ نتيجة للتحريض الجماعي العنيف والمتواصل ضد «آخر» مختلف، عرقاً أو لوناً أو ديناً، من خلال تشويهه وشيطنته، إلى الحد الذي تصبح فيه الكراهية وامتداداتها عقيدة غير قابلة للتبدل أو المراجعة، إلا عبر الكثير من الشجاعة والإرادة. ولهذا، فقد اتفقت أطراف كثيرة في المنطقة والعالم على وصف معاهدة السلام الإماراتية-الإسرائيلية بأنها كانت خطوة «شُجاعة».

ولا شك في عدالة القضية الفلسطينية وفي ضرورة حصول شعبها العربي الشقيق على حقه في دولته المستقلة، لكن الآلية التي يمكن الحصول بها على هذا الحق الثابت يجب أن تكون خاضعة للتقييم والمراجعة بحسب النتائج التي تفضي إليها. ومعاهدة السلام التاريخية التي وقعتها دولة الإمارات العربية المتحدة قبل يومين تخطُّ مساراً جديداً يمكن للأشقاء في فلسطين أن يصل بهم إلى دولتهم المستقلة التي تبتعد عنهم كلما مضوا في الطريق الذي يرفضون تغييره، من دون أن يسألوا أنفسهم عن جدواه.

وتطرح دولة الإمارات فكرة «الاستثمار في السلام» بدلاً من «الاستثمار في الكراهية»، وإيقاف أجواء التحريض والشيطنة واعتبار كل طرف أن الآخر يمثل «الشر المطلق» الذي لا سبيل إلى قبول وجوده أو التعايش معه. وربما يجب أن نمتلك من الشجاعة ما يجعلنا نعترف بأن التحريض على الكراهية المطلقة من الجانب العربي فيما يخصّ القضية الفلسطينية، وتحميل هذه الكراهية أبعاداً قومية ودينية وعرقية ارتدَّا علينا نحن قبل غيرنا، فقادنا الشحن الديني إلى تغذية نزعات التطرّف والتشدد التي أنتجت الإرهاب الأسود لتعاني منه دولنا ومجتمعاتنا قبل غيرها، وليصبح الدين الإسلامي الحنيف ومعتنقوه محل اتهام وشكّ من جانب العالم بأسره.

والكراهية القومية والعرقية التي أطلِقت من عقالها في مواجهة إسرائيل أنبتت أشجارها المسمومة، فدخلنا في عداء مع كثير من دول العالم، وتعطلت محاولات التنمية وانتكست. وفي نهاية الأمر، أصبح كثير من دولنا ساحة للانقسامات والمواجهات والحروب الأهلية، وفُرض على الشعوب العربية أن يعاني أبناؤها العنف والفقر واللجوء والتشرد، على الرغم من كل ما تمتلكه دولهم من موارد ومصادر للثروة.

معاهدة السلام الإماراتية مع إسرائيل تراهن على مواجهة الكراهية، وقطع الطريق على تغذية التطرف والتشدد بالوقود الذي يحوّل أبناءنا إلى أدوات قتل وتدمير، وبالقدر نفسه تُقدّم للإسرائيليّين المعتدلين فرصة لرؤية قطاعات كبيرة في العالم العربي تنشد السلام وتسعى إليه، وحرمان المتطرفين القوميين والدينيين في إسرائيل من ورقة يستخدمونها في إذكاء الكراهية والتطرف على الجانب الإسرائيلي، وشيطنة العرب والمسلمين جميعاً. وهذه هي الأرضية التي يمكن لها أن تُنتج تقدُّماً على مسار السلام والتنمية في المنطقة ككل، واستعادة الحقوق الفلسطينيّة، وضمان أجواء لا تُمثل فيها أجواء المزايدات سيوفاً مشهرة على رقاب المفاوضين، وقيداً على المرونة السياسية التي يحتاجون إليها في التفاوض على قضايا شائكة بطبيعتها.

إن إيجاد سبل للتعاون بين دولة الإمارات وإسرائيل في مجالات مثل التعليم، والبحث العلمي، والتبادل الثقافي، والتكنولوجيا، ومواجهة الأمراض والأوبئة، والأنشطة الاقتصادية المشتركة، وتنشيط حركة السياحة بين البلدين، من شأنه أن يفتح الباب أمام إقامة جسور حقيقية بين الدولتين والشعبين، وتعزيز فرص التواصل وبناء العلاقات الإنسانية التي ستمثل حاجزاً أمام خطاب الكراهية والتحريض. ومن شأن انضمام دول عربية وإسلامية أخرى إلى ركب السلام أن يمهِّد لنشوء خطاب التقارب والتفاهم والمصالح المشتركة ونموّه.

ولن تكون مواجهة خطاب الكراهية مهمة سهلة، بالنظر إلى التحريض والشحن الذي تمارسه قوى إقليمية تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية أو الهروب من أزمات داخلية، مُستعينة بجماعات وميليشيات عربية أفرزتها الهشاشة المتفشية في العالم العربي وقابلية بعض دوله للاختراق، لكن دولة الإمارات سوف تخوض هذه المواجهة بالشجاعة التي اعتادتها في مواجهة التحديات، إيماناً منها بأن المستقبل الأفضل للمنطقة مرتبط بتعزيز ثقافة التقارب والسلام.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات