الافتتاحية: مطلوب تحرك عربي فاعل لوقف التدخلات الخارجية

  • 23 يونيو 2020

أمام الواقع الذي يعيشه العالم العربي في الوقت الراهن، والذي تداعت فيه الأمم عليه كما تتداعى الأكلة على قصعتها، باتت أمتنا في أشد الحاجة إلى تحرك حقيقي فاعل ومؤثر يوقف حالة النزف المستمر التي تعانيها وتضع حداً للانتهاكات المتواصلة لحرماتها التي بلغت مبلغاً لم تعهده من قبل، فما عادت تراعي حرمة دم ولا أرض ولا تخجل من أن تدس أنفها حتى في أدق تفاصيل شؤونها مستغلة حالة ضعف وفرقة وانشغال بقضايا ثانوية على حساب القضايا المصيرية، وتشتت وضبابية في الرؤية نتيجة عدم وجود بوصلة جامعة وموحدة لاتجاهات التركيز.

صحيح أن الحالة الراهنة ليست جديدة على الدول العربية، وأن الكثير من تفاصيلها ليست نتاج فعل ذاتي وإنما هي مخلفات حقبة استعمارية حرصت على تكريس التجزئة والتفتت، ولم تترك وسيلة إلا سخرتها في سبيل أن يظل لدى كل دولة ما يشغلها عن محيطها ويعوق قدرتها على التفاعل معه بالشكل المطلوب، وهي أيضاً إرهاصات لما دار من أحداث جسام في العديد من ساحاتها على مدار ما يقارب عقداً من الزمن عبر ما سمّي «الربيع العربي»، وأدّت إلى إضعاف وتهميش وتحييد قدرات وإمكانات دول عربية كان لها دورها الفاعل في مساندة الأمة والدفاع عن قضاياها، غير أن ما جدّ ويستجدّ من تهديدات وجودية ومخاطر تطلّ برأسها في غير مكان وعلى أكثر من ساحة عربية يجعل التحرك فرض عين، ويتطلب وقفة جادة ومراجعة حقيقية تتجاوز البروتوكول وتقفز على المجاملات وتؤسس لعهد عربي جديد عنوانه تولي الأمة العربية زمام أمورها وعودة قرارها الحاسم والموحد.

اليوم ما عاد مجدياً اتباع الأسلوب ذاته الذي جرى اتباعه على مدى سنوات طويلة والذي كان العرب يكتفون فيه بالحدّ الأدنى، فكل القضايا المطروحة على طاولتنا مصيرية وتمسّ الأمن القومي العربي في الصميم، إذ إن ثغورنا في المشرق والمغرب تنتهك وتتعرض للاعتداءات المتكررة والاختراق السافر، والطعنات تتوالى علينا في أكثر من خاصرة، والطامعون في ثرواتنا والطامحون إلى الهيمنة علينا في تزايد، وقد كشفوا أوراقهم ورفعوا ختم السريّة عن نواياهم من دون مواربة ولا مجاملة ولا وجل من أن يثير ذلك مشاعرنا أو يستفز غضبنا.

في ظل ذلك كلّه يأتي الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب اليوم لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا، كضرورة ملحة من ضرورات التعامل مع الحال الذي ينذر باستمرار الانقسام والاقتتال في هذا البلد العربي الذي أنهكته الصراعات واستنزفته الحرب التي لا طائل وراءها ولا مجال لحسمها وحوّلته إلى ثغرة في الجدار العربي يستغلها الباحثون عن فرص التدخل في الشأن العربي للنفاذ منها واستغلالها بما يخدم أجنداتهم ويحقق مآربهم، وهو اجتماع يجب أن يكون مضمونه لا تقليدياً كما هي طريقة انعقاده؛ بحيث يتمخض عن نتائج وقرارات تتناسب مع مستوى خطورة الظرف ودقّته وحساسيته وتثبت أنّ الدول العربية ما زالت ممسكة بزمام أمورها وقادرة إدارة شؤونها ولا تحتاج إلى وصاية من قريب أو غريب.

في الشأن الليبي كما هو في كل المشكلات على الساحات العربية الأخرى التي ما زالت مضطربة تحتاج الدول العربية إلى صوت الحكمة والعقل مع الأطراف الليبية، وإلى قوة الحسم والحزم مع الأطراف الخارجية، فالأخوة والأشقاء قادرون على التفاهم والتوافق لضمان أمن بلادهم واستقرارها وسيادتها ووحدة أراضيها ومصالح شعبها ولديهم المرجعيات التي يمكنهم الاستناد عليها لحل كل المسائل العالقة بينهم، وهم يستندون إلى محيطهم العربي الأحرص على عودتهم إلى صفه وعلى أن تعود ليبيا بلداً قوياً موحداً فاعلاً ورافداً من روافد العمل العربي الموحد والمشترك.

مطلوب أن يضرب العربي بقوة على الطاولة وأن يقول لكل المتربصين والذين ما زالوا يراهنون على العجز العربي، كفى وهذا حدّنا وهذه علاماته للغافلين، ولن نسمح بتجاوزها بعد اليوم فقد بلغ السيل الزبى ووصل السكين إلى العظم.

Share