الافتتاحية: محاربة «داعش» أولوية لا يجب الانشغال عنها

  • 13 يوليو 2020

كعادته يستثمر تنظيم (داعش) الإرهابي الذي نشأ وتمدد نتيجة فراغ أمني وسياسي كبير عانته مناطق عدة في العراق في أعقاب انسحاب القوات الأمريكية من هذا البلد، الظروف الطارئة والأوضاع الاستثنائية ويحاول الاستفادة منها لاستعادة نشاطه الذي خبا نتيجة الهزائم المتلاحقة التي مني بها والضربات الساحقة التي تلقاها، وآخرها مقتل زعيمه وخليفته المزعوم أبو بكر البغدادي، ويستثمر الفرص الناتجة عن الكوارث والأزمات لإثبات أنه ما زال موجوداً وقادراً على إعادة تنظيم صفوفه والانطلاق مجدداً لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وحرمان شعوبها من مواصلة مسيرة التنمية والتطلع نحو المستقبل.
ففي غمرة انشغالات حكومات دول المنطقة والعالم كله بمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد وما ترتب عليها من تداعيات تطلّبت توجيه الجهود نحو مكافحة هذا العدو الخفي وإعادة ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية والصحية على نحو يسخر جلّ الجهود والمقدرات لحماية المجتمعات من خطره الذي بات يهدد سلامة أبنائها ونمط حياتها ومستوى معيشتها، نجد أن هذا التنظيم الذي لا يأبه بالحياة ولا يحفل بها ولا يقيم وزناً للنفس البشرية ولا يتعامل معها إلا باعتبارها وقوداً صالحاً وحطباً لا بديل عنه لنيران معاركه العبثية، يطلّ برأسه من جديد ويستغل هذه الظروف لاستعادة نشاطه وإيقاظ خلاياه النائمة وإطلاق عناصره المشحونين بشهوة الدم والمدججين بأعلى درجات الحقد والكراهية ليعيثوا في الأرض فساداً وليضيفوا إلى حياة الناس، خصوصاً في شمال العراق وغربه وجنوب سوريا وشرقها، معاناة فوق معاناتهم وهموماً فوق همومهم.
في هذا الوقت الذي أحوج ما تكون فيه المجتمعات إلى التكاتف والتضامن بين أطيافها كافة للتصدي لهذه الجائحة التي تهدد حياة الجميع ولا تفرق بين إنسان وآخر ولا تستثني فئة أو طائفة أو عرقاً دون آخر، تجد خطاب التهديد والترهيب والتخويف هو لغة هذا التنظيم الإرهابي الذي دأب على بث الرعب في نفوس الناس ليتمكن من اختراق صفوفهم وتفكيك لحمتهم المجتمعية، وبالتالي إضعاف خطوطهم الدفاعية وضرب صمودهم وتماسكهم، وهو ما حاول تجسيده في عملياته الأخيرة خلال الشهرين الأخيرين، التي تمثلت في عمليات الخطف والقتل بحق أبرياء عزّل لا حول لهم ولا قوة، وحرق الزروع والمحاصيل في العديد من المناطق التي يحاول استعادة وجوده فيها.
يبدو واضحاً من خلال ما يدور على الساحة الإقليمية أن قادة هذا التنظيم الذين أغرتهم تجربة ما سُمّيت «دولة الخلافة» يحاولون استنساخ تجربة أسلافهم غير مدركين أن الظروف التي نشأ فيها هذا التنظيم الذي لا يمت للتعاليم الدينية ولا للقيم والأخلاق الإنسانية بأي صلة، والتي كانت قوات الجيش والشرطة العراقية أثناءها ما تزال في طور البناء وإعادة التنظيم، ولم تكن بعد تمتلك الجاهزية القتالية ولا الخبرات اللازمة، قد تغيرت وما عادت مواتية لهم للخروج من كهوفهم وأنفاقهم، وأن هناك إصراراً من قبل دول المنطقة كافة على عدم السماح لهم بالعودة إلى ممارسة إجرامهم وانحرافهم الفكري والأخلاقي وتهديد السلم والاستقرار الإقليمي مجدداً وتحت أي ظرف من الظروف.
داعش تنظيم إرهابي إجرامي لا يتورع عن ارتكاب الموبقات، وسجله في هذا المجال حافل ومليء بجرائم بشعة ارتكبها واستطاع بالاعتماد عليها ومن خلالها إلحاق أكبر الأذى بالدين الإسلامي الحنيف وحقق ما لم تتمكن من تحقيقه أكبر حملات الدعاية وأشرس الحروب الإعلامية، حيث تمكن من تهشيم صورة الدين في أذهان وعيون الكثيرين، خصوصاً أولئك الذين لم تتح لهم الفرصة للاطلاع والتعرف على سماحة الإسلام ووسطيته واعتداله وعدالته، وعمل، وما يزال، على تصويره وكأنه دعوة للقتل والفناء عبر التفنن في ابتكار أبشع طرق وأساليب القتل التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، وعقيدة تقوم على إقصاء الآخر ورفض وجوده وحرمانه من أبسط حقوق الحياة، الأمر الذي يجعل محاربته والقضاء عليه أولوية لا يجوز إهمالها ولا يجب بأي حال من الأحوال الانشغال عنها، وهدفاً يجب أن تبقى العين مفتوحة عليه مهما كانت الظروف وعظمت المشاغل.

Share